جوهر الخلاف بين حزب الاتحاد الديمقراطي PYD والمجلس الوطني الكردي ENKS


كوردستان برس 23 PRESS

كثيراً ما نكتب عن الخلاف بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي في روجافا. هذا الخلاف بدأ منذ بداية الثورة السورية تقريباً. 

وعلى ضوء هذا الخلاف جرى التخندق في صفوف الكرد السوريين تجاه كل طرف. 

ولعبت المعارضة السورية على هذا الخلاف لتتخندق هي الأخرى مع طرف وبعداء سافر ضد طرف بناء على رؤيتها الخاصة ما يمكن أن يمنح للكرد من الحقوق. التخندق تجاوز سوريا إلى الدول الجوار كالعراق واقليم كردستان وتركيا. 

شمل هذا التخندق الكتاب والمثقفين الكرد والعرب السوريين على نطاق واسع. الكتاب والمثقفون الكرد انقسموا وتوزعوا علي طرفي الخلاف نتيجة ولاءات حزبية أو قناعات خاصة أو مصالح مختلفة أو لأسباب شخصية بحتة. 

أما الانقسام بين الكتاب العرب فقد وقف أغلبهم إلى جانب المجلس الوطني الكردي بهذا الشكل أو ذك انطلاقاً من أنه الأضعف ولن يستطيع فرض القضية الكردية في المفاوضات أكثر ما يمكن أن يمنحهم العرب بإرادتهم. 

وأخيراً النظام السوري لم يكن بعيداً عن هذا التخندق. فمنذ بدية الثورة ولا سيما بعد أن أخذ يفقد النظام مناطق لصالح الجيش الحر وجد أنه لا يستطيع البقاء في كل المناطق.

 ولا بد من تجميع قواه. اتفق مع حزب الاتحاد الديمقراطي كطرف أقوى بتسليم هذه المناطق له مع إغرائه ببعض الدعم المادي وبالسلاح مقابل أن لا تكون هذه المناطق ساحة للجيش الحر ينطلق منها ضد النظام. 

وكذلك لتحييد دور الكرد في الصراع الجاري. هذا التوجه من النظام تطابق مع مصلحة حزب الاتحاد الديمقراطي من عدة جوانب. 

أولاً أنه سيطر على بعض المناطق الكردية بدون سلاح. وثانياً استبعد المناطق الكردية من الدمار والتهجير مثلما كان يحدث في المناطق العربية. 

وثالثاً، لكونه مازال حزباً فتياً، وليست لديه مصادر للتمويل والسلاح حتى يستطيع الحفاظ على هذه المناطق. فهو بحاجة إلى هذا الدعم. وعندما أصبح قويا خرج من تحت نفوذ النظام السوري بعد أن تحالفت قواته مع أمريكا.

عندما برزت الكتائب الاسلامية في شمال سوريا وأخذت تبتلع الجيش الحوار بات لزاماً على حزب الاتحاد الديمقراطي البحث عن مصادر أخرى للسلاح، خصوصاً أن هذه الكتائب الاسلامية كانت مدعومة من تركيا بشكل مباشر ولديها سلاح ثقيل ومتقدم. ومن ثم اجتاح داعش المنطقة وحدثت معركة كوباني الشهيرة مع داعش. 

وكادت أن تقضي على وجود حزب الاتحاد الديمقراطي فيها لولا الدعم الأمريكي وبيشمركه اقليم كردستان. منذ ذلك التاريخ بدأت سلطة حزب الاتحاد الديمقراطي تعتمد على قوة عسكرية في نمو مطرد خلال التحالف مع أمريكا على ضوء خطة الأخيرة لمحاربة الارهاب. 

الأهم في الأمر أن وحدات حماية الشعب حصلت على الحماية الجوية، وهذا ما ساعدها على التوسع.

جرى ضخ اعلامي واسع، كردي وسوري وامتداداته خارج سوريا. 

أدى هذا الضخ الاعلامي إلى تسعير الخلاف الكردي – الكردي وتشويه مقاصده. لكن المتتبع للأحداث كان يدرك أن هناك معركة جدية بين الطرفين الكرديين السوريين تتستر تحت شعارات قومية ووطنية. 

استفحل هذا الصراع إلى أن وصل اليوم إلى صراع يلغي أحدهما الآخر. في الحقيقة لا علاقة لهذا الصراع بمسألة الديمقراطية والاستبداد وحقوق الانسان وحرية التعبير والإعلام والشرعية وإسقاط النظام وغير ذلك مما يقال. فهذه كلها وسائل خادعة لإخفاء جوهر الصراع.

ما يجري بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي هو صراع على السلطة. سلطة على الشعب الكردي السوري وسلطة على المناطق الكردية أو فدرالية الشمال بلغة أعم . حزب الاتحاد الديمقراطي سيطر على مناطق واسعة وشكل سلطته عليها بقوة السلاح ومن خلال معارك دامية خارج المناطق التي قدمها له النظام. 

دافع عن هذه المناطق بشراسة. وقدم آلاف الشهداء. والمجلس الوطني الكردي لم يفعل شيئاً منذ بدايات الثورة سوى اصدار البيانات والتصريحات ومع ذلك يريد المشاركة بهذه السلطة فيفتي – فيفتي. وربما أقل من ذلك بقليل في أضعف الأحوال.

في جميع اللقاءات التي جرت بين الطرفين ولا سيما في كردستان العراق كانت الشراكة في السلطة النقطة المركزية في النقاشات والاتفاقات وسبباً في انهيار هذه الاتفاقات. كانت باقي البنود والتصريحات الاعلامية مجرد كليشيهات ونوعاً من الدبلوماسية السياسية لإخفاء الحقيقة عن الرأي العام الكردي. 

لا شك أن السيد مسعود البرزاني لعب دوراً ملموساً في هذه اللقاءات. كان يسعى لأن يحصل المجلس الوطني الكردي على الفيفتي في سلطة روجافا من منطلق أن المجلس الوطني الكردي هو تحت جناحه. 

وبالتالي ستكون النتيجة أنه سيتقاسم السلطة مع حزب الاتحاد الديمقراطي في كردستان سوريا ومن خلفه مع حزب العمال الكردستاني. كان تشكيله لبيشمركه روجافا يدخل في اطار مخططه هذا. 

أما الطرف الثاني، والذي هو حزب الاتحاد الديمقراطي ومن خلفه حزب العمال الكردستاني كانا يدركان هذا التوجه للسيد مسعود البرزاني. وكان حزب الاتحاد الديمقراطي يعلم أن تشكيل السيد مسعود البرزاني لبيشمركه روجافا يهدف بالأساس لإيجاد موطئ قدم له في كردستان سوريا بقوة عسكرية على الأرض. 

ولكونه رئيس اقليم فدرالي معترف به دولياً، فمن الواجب مراعاة الدستور العراقي والقوانين الدولية. لذلك أعلن أن هذه القوة هي تابعة للمجلس الوطني الكردي. مع العلم لو أن هذه القوة دخلت كردستان سوريا سيكون المجلس الوطني الكردي هو التابع لها وليس العكس. لأن هذه القوة ستبقى تأتمر بالسيد مسعود البرزاني حصراً. 

من ناحية أخرى ستكون ضمانة لمسعود البرزاني بأن لا تتجرأ أي حزب كردي في المجلس الوطني الكردي أو خارجه الخروج عن توجهاته لاحقاً. 

لهذا السبب رفض حزب الاتحاد الديمقراطي رفضاً قاطعاً دخول هذه القوات إلى مناطق نفوذها. 

أما الحزبان الكرديان الآخران في الإقليم، أقصد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة كوران، فلديهما خلافات جوهرية مع حزب الديمقراطي الكردستاني والسيد مسعود البرزاني لأسباب تتعلق بالقضايا الداخلية في الاقليم. خصوصاً حول تبادل السلطة وتقاسم الثروة. 

انطلاقاً من هذه الخلافات لم يكن يريد هذان الحزبان أن يمد السيد مسعود البرزاني سلطته إلى كردستان سوريا. لأن من شأن هذا التمدد أن يضعف كثيراً موقع الحزبين المذكورين في الاقليم. لا سيما أن السيد مسعود برزاني مازال يحظى بجماهيرية أكثر منهما. 

هذا هو السبب في وقوف هذين الحزبين مع حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي.

أكرر لا علاقة للخلاف الحالي بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي بمسألة الديمقراطية وحرية العمل السياسي والاستبداد والتهجير والتجنيد الإجباري وكل ما يقولونه عن سلطة الادارة الذاتية. فلو قبل حزب الاتحاد الديمقراطي بمشاركة المجلس الوطني الكردي في السلطة لقام هذا المجلس بتبرير كل ذلك ووضعوه في إطار ظروف الحرب والمعركة المصيرية مع العدو. ولكان دعم السيد مسعود البرزاني للادارة الذاتية كبيراً.
في العودة إلى تاريخ أحزاب المجلس الوطني الكردي ووثائقها وإلى كتابات كتابها ومثقفيها نجد أن المسألة المركزية لدى الجميع كانت حقوق الشعب الكردي القومية حصراً. لم تكن الديمقراطية هي هاجس ساسة هذه الأحزاب والكتاب الموالين لها إلا بقدر ما ترتبط بحقوق الكرد في سوريا. 

ولا توجد أية أبحاث اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية تخص الوضع السوري عامة والوضع الكردي خاصة لديهم ولدى الكرد عامة. هؤلاء كانوا مناضلين قوميين، ساسة أو كتاباً. فالقضية الكردية السورية هي فوق كل اعتبار لديهم.

لا يخفى على المتتبع أن بقاء المجلس الوطني الكردي ضمن الائتلاف ليس لتحقيق أو ترسيخ حقوق الشعب الكردي السوري. فقادة هذا المجلس والتابعين له من الكتاب والمثقفين باتوا يعلمون علم اليقين أن المعارضة السورية لن تعترف بما يطالبون به. 

كما يعرفون أن تركيا لن تقبل بأن تقدم المعارضة السورية أي تنازل على هذا الصعيد. ويعرفون أيضاً إذا تم الاتفاق بين المعارضة والنظام السوري سيجري تهميش حقوق الكرد بكل تأكيد. 

هم يعرفون ذلك أكثر من منتقديهم. لكنهم يستخدمون ورقة المعارضة كأداة للضغط على حزب الاتحاد الديمقراطي من أجل قبول الشراكة بالسلطة. ويبدو أن السيد مسعود البرزاني وراء بقائهم في المعارضة. 

ولم تعد هناك أية وسيلة أخرى للضغط على حزب الاتحاد الديمقراطي سوى هذه الوسيلة بعد أن حيدت أمريكا تركيا تقريباً في المسألة السورية.
السؤال الذي يطرح نفسه هل سيرضخ في النهاية حزب الاتحاد الديمقراطي لهذا الضغط. لا أعتقد ذلك. ولأسباب مختلفة. أولاً، فقد حقق هذا الحزب انجازات كبيرة على الصعيد الكردي والسوري لم يكن يحلم بها أي حزب كردي سوري. شكل تحالفاً مع العرب والآشوريين والتركمان هو أفضل تحالف على صعيد سوريا حتى الآن. هذا التحالف يؤمن بشراكة متساوية ويسعى لتحقيق وجه آخر لسوريا. 

جاء توجه حزب الاتحاد الديمقراطي بالابتعاد عن النزعة القومية الكردية الضيقة لإسقاط كل التهم الموجهة للكرد السوريين وله بالأخص بالنزعة الانفصالية. 

الذين مازالوا يصرون على استخدام هذه التلفيقة هم أؤليك الذين لا يريدون أن يكون لسوريا وجهاً آخر بعيداً عن تسلط قومية على أخرى وتنفرد فئة معية بالسلطة على حساب بقية الفئات. ثانياً، حزب الاتحاد الديمقراطي ومع حلفائه يملكون أكبر قوة عسكرية على الأرض في سوريا اليوم. هذه القوة منظمة مثل أي جيش نظامي. 

تكّونت لديها خبرة كبيرة في التخطيط والهجوم والانتصار على العدو. زد على ذلك أنها تستحوذ على عطف وتأييد عالمي. وتقيم تحالفاً قوياً مع أكبر دولة في العالم. ويستلم منها أحدث الأسلحة الخفيفة والثقيلة بشكل مباشر. 

ثالثاً استطاع هذا الحزب تحييد أشرس عدو ضد الكرد وضده بالذات وهو تركيا. هذه الدولة ما كانت لتسمح لحزب الاتحاد الديمقراطي أن يشكل أي كيان له في سوريا لولا لجم أمريكا لها. 

من حسن حظ حزب الاتحاد الديمقراطي أن سمعة تركيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة أخذت في التدهور في العالم الغربي. هناك ردة فعل سلبية واضحة من قبل أوروبا تجاه كل السياسة التركية الداخلية والإقليمية والعالمية. هناك عامل آخر لا يجوز تجاهله. 

وهو ذو شقين يجعل حزب الاتحاد الديمقراطي لن يرضخ لضغوطات المجلس الوطني الكردي ولا للسيد مسعود البرزاني. الشق الأول يرجع إلى طبيعة المجتمع الشرقي والكردي ضمناً. 

هذا المجتمع مازال ينتج موروثه في التفرد. فمن يحصل على السلطة بيديه في الشرق لن يقبل أن يشاركه من كان جالساً على حافة الطريق ينتظر نتائج الأحداث ومن ثم يتقدم ليحصل على مغنمة. 

هذه الخاصية لا يمكن أن تزول في عقلية الشرقيين بسهولة على الرغم أنهم مطلعون على المجتمع الغربي وحضارته ودور الديمقراطية وحرية الرأي في هذا الحضارة. 

وقادة الأحزاب الكردية في اقليم كردستان العراق ليسوا بعيدين عن هذا الموروث أيضاً. الشق الثاني، يعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي أن المجلس الوطني الكردي هو واجهة للسيد مسعود البرزاني للسيطرة على التوجهات السياسية لكرد سوريا من أجل إرضاء تركيا للحصول على موافقتها لاستقلال اقليمه.

هناك سؤال أخير يتعلق بالاعتقالات التي تقوم بها الادارة الذاتية تجاه قادة المجلس الوطني الكردي. لا شك هناك ترف ثقافي وسياسي في هذا المجال سواء من قبل الساسة أو الكتاب. إنهم لا يدركون واقع مجتمعهم المتخلف والموروث الاسلامي والتاريخي. سوريا لن تصبح المانيا بعد مئة عام. 

أن تطالب بقوانين مثل قوانين المانيا وحرية التعبير والرأي وحرية الاعلام ..الخ على النمط الأوروبي فأنت تعيش في وهم كبير. أغلب أفكارنا حول الديمقراطية والعلمانية وحرية التعبير هي نتاج قراءاتنا للثقافة الغربية. بمعنى آخر هذه الأفكار ليست من منتوج مجتمعنا. كل ما في الأمر نسعى لتحقيقها على الأرض. فلكي تتحول هذه الأفكار إلى واقع تحتاج المنطقة إلى مستوى معين من التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وهذه مسألة مستقبلية يجب العمل من أجلها.

لماذا المجلس الوطني الكردي لا يطلب الترخيص للعمل العلني السياسي؟ أليست هي معارضة؟ في كل الدول يجب أن تكون المعارضة مرخصة. 

عندئذ لها حق العمل العلني وحق الانتقاد بحرية. يقول زعماء المجلس الوطني الكردي أنهم لا يعترفون بهذه السلطة فكيف سيطلبون منها الترخيص. لكنهم تفاوضوا ومستعدون للتفاوض مع الادارة الذاتية للمشاركة في السلطة. أليس في ذلك تناقض واضح؟ 

سلطة الادارة الذاتية تقول أنها ستسمح للمجلس الوطني الكردي بالعمل السياسي بعد الترخيص. بإمكان المجلس أن يشارك في أية انتخابات ويحصل على المقاعد حسب جماهيريته. وبالتالي يفرض السياسة التي يريدها. لكن قادة المجلس يعرفون أن ليس لديهم تلك الجماهيرية التي تستطيع أن تحقق لهم النتائج التي يريدونها. لذلك يريدون الطريق الأسهل وهو أن يقدم حزب الاتحاد الديمقراطي مقاعد لهم بأمر فوقي. ومع ذلك يتباكون الآن على الديمقراطية المهدورة.

المصدر :: وكالات
  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة