كردستان قربان المصالح الدولية


PRESS 23 | بير رستم (أحمد مصطفى)

لقد شهد العام الماضي الذكرى المئوية الأولى على اتفاقية سايكس بيكو (1916) والتي تعتبر مقدمة لعدد من الاتفاقيات والقرارات الدولية وذلك بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية.. وبالتالي تقاسم تركة "الرجل المريض" بين عدد من الدول الغربية _دول الحلف_ والتي انتصرت على ما عرف بدول "المحور" التي ضمت بشكل رئيسي الألمان وإلى جانبها الدولة العثمانية. وهكذا وبخسارتهم للحرب فقد تقلصت حدود الإمبراطوريتين؛ الألمانية والعثمانية وعلى إثر ذلك نالت عدد من دول البلقان وكذلك الدول العربية استقلالها وذلك بعد ما يقارب الخمسة قرون من الاحتلال العثماني الغاشم وقد كانت جغرافية كردستان هي الأخرى مرشحة لنيل الاستقلال عن الدولة العثمانية، لكن ولعدد من الأسباب الداخلية الخاصة بالكرد ودرجة التطور الحضاري وكذلك الدولية والمصالح والامتيازات فقد تم تأجيل مشروع استقلال كردستان أو التضحية بها على مذبح تلك المصالح الإقليمية والدولية.. وإننا سنحاول ومن خلال مقالتنا هذه، الوقوف على أهم تلك الأسباب وذلك بحسب قراءتنا للقضية.

بقناعتي إن الأسباب الداخلية ورغم الوقوف عليها سابقاً، سوف تحتاج للمزيد من البحث والاستقصاء عنها وعلى الأخص من قبل المختصين بالجانبين التاريخي والاجتماعي السوسيولوجي حيث وللأسف؛ ما زال هذا الجانب يحتاج للكثير من الأبحاث الجادة للوقوف على الأسباب الذاتية المتعلقة ببنية المجتمعات الكردية ودرجة التطور السياسي الثقافي لمجتمعنا في تلك المراحل وهيمنة الفكر الديني بحيث تمكنت تركيا وعبر أحد أهم رجالاتها _بالأحرى مؤسس تركيا الحديثة؛ ونقصد "مصطفى كمال أتاتورك"_ وأنه كيف استطاع أن يخدع شعبنا بأن تركيا ستكون دولة للكرد والترك.. وبالتالي فعلى "الشعبين المسلمين محاربة الكفار" وذلك من خلال التصدي للحملة الغربية الصليبية في حين كان أتاتورك يؤسس تركيا الحديثة كدولة علمانية على أنقاض الخلافة العثمانية وهكذا فإن هذه النقطة تكشف درجة التخلف الاجتماعي الحضاري للمجتمعات الكردية التي خضعت بالولاء للسياسة الأتاتوركية على أساس مفهوم ((إخوة في الدين))، مع العلم؛ بأن "أتاتورك" كان بعيداً كل البعد عن الفكر الديني.

لكن دراسة هذه الظاهرة _وكما أسلفنا_ سوف تحتاج للكثير من البحث التاريخي في واقع المجتمع الكردي ومن مختلف الجوانب الفكرية الثقافية وكذلك المجتمعية الحضارية ودور رجال الدين والقبيلة وبعض المشايخ؛ مثل ظاهرة "الشيخ إبراهيم خليل" في منطقة عفرين وذلك ضمن لعبة الولاءات الإستخباراتية للدولة التركية الحديثة وزعيمها السياسي "أتاتورك". وبالتالي فإننا سنحاول في مقالتنا هذه الوقوف على الجانب أو العامل الخارجي والظروف الدولية والإقليمية التي أحاطت بمشروع تقسيم المنطقة في "سايكس بيكو" ومن ثم استكمالها بما عرف فيما بعد بـ"وعد بلفور" والذي بموجبه تم التخطيط لولادة دولة إسرائيل ومن ثم البدء بالتنفيذ في منتصف القرن الماضي وتحديداً مع حرب 1948 بين العرب والإسرائيليين ولتكون هناك أيضاً كل من معاهدات سيفر 1920 ولوزان 1923 وعدد من المعاهدات الأخرى والتي بموجبها تم رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط وولادة ما تعرف اليوم بالدول العربية والشرق أوسطية وأيضاً عدد من الدول في منطقة البلقان.

طبعاً ومن ضمن الخرائط التي رسمت وخططت لها في معاهدة سيفر (10 أغسطس 1920) هي حدود دولة كردستان وقد كانت حاضرة على طاولة مفاوضات دول الحلفاء المنتصرة حيث تقول وثيقة المعاهدة بأن "الاتفاق بين قوات الحلفاء المنتصرة وممثلين عن الحكومة التركية العثمانية.. اضطرت تركيا إلى نبذ كافة الحقوق مع الدول العربية بآسيا وشمال أفريقيا ونصت أيضا على أرمينيا المستقلة.."، بل أن وثيقة المعاهدة تؤكد على أن "كانت شروط معاهدة سيفر أكثر شدة من تلك المفروضة على الإمبراطورية الألمانية بموجب معاهدة فرساي ، وكانت فرنسا وإيطاليا وبريطانيا العظمى بدأت سرا تقسيم الإمبراطورية العثمانية في وقت مبكر من عام 1915، وظلت المفاوضات المفتوحة لمدة تزيد عن خمسة عشر شهرا ، ابتداء من مؤتمر باريس للسلام ، واستمروا في مؤتمر لندن ، ولم تأخذ شكل واضح إلا بعد اجتماع رئيس الوزراء في مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، وحدث تأخير لأن القوى لا يمكنها التوصل إلى اتفاق والتي بدورها ، تتوقف على نتائج الحركة الوطنية التركية ، وألغيت معاهدة سيفر في سياق حرب الاستقلال التركية ، ووقع الطرفان وصدقوا على معاهدة لوزان التي حلت محلها في عام 1923 و 1924".

وهكذا نقرأ في تفاصيل المعاهدة وبخصوص الفقرة المتعلقة باستقلال كردستان ما يلي: (حصول كردستان على الاستقلال على حسب البندين 62 و63 من الفقرة الثالثة و السماح لولاية الموصل بالانضمام إلى كردستان استنادا إلى البند 62 ونصه ”إذا حدث خلاف خلال سنة من التصديق علي الاتفاقية أن يتقدم الكرد القانطون في المنطقة التي حددتها المادة ” 62 ” إلى عصبة الأمم قائلين أن غالبية سكان هذه المنطقة ينشدون الاستقلال عن تركيا ، وفي حالة اعتراف عصبة الأمم بأن هؤلاء السكان أكفاء للعيش في حياة مستقلة توصي بمنح هذا الاستقلال ، وعلي تركيا أن تتعهد بقبول هذه التوصية وتتخلى عن كل حق في هذه المنطقة ، وستكون الإجراءات التفصيلية لتخلي تركيا عن هذه الحقوق موضوعا لاتفاقية منفصلة تعقد بين كبار الحلفاء وتركيا). وهنا نجد بأن الوثيقة هي الأخرى تؤكد على قضية جد جوهرية تتعلق بعدم نضوج الشرط الذاتي الداخلي والمتعلق بقضية النضج السياسي حيث جاءت في إحدى الفقرات ما يلي: "وفي حالة اعتراف عصبة الأمم بأن هؤلاء السكان أكفاء للعيش في حياة مستقلة توصي بمنح هذا الاستقلال".

لكن ما الذي طرأ لكي يتخلى الحلفاء في لوزان عام 1923 عن شرط قيام دولة كردستان وذلك رغم وضوح الموقف في سيفر 1920، بقناعتي يرجع سبب ذلك لأهم حدثين تاريخيين ترافقا وتوافقا في تلك المرحلة التاريخية ونقصد كل من قيام الثورة السوفيتية وانتصار البلاشفة الشيوعيين على القياصرة من جهة ومن الجهة الأخرى المناورة الذكية لمؤسس الجمهورية التركية الحديثة "مصطفى كمال أتاتورك" والإيحاء للغرب، بأن ذهابكم إلى المزيد من الضغط والاستقطاع من "أراضي الخلافة العثمانية" فيعني المزيد من التنسيق مع الدولة السوفيتية الشيوعية المعادية للغرب الرأسمالي الإمبريالي؛ أي توافق المصالح بين الدولتين "السوفيت وتركيا" الحديثتي الولادة وعلى أنقاض إمبراطوريات مترامية الأطراف سابقاً هي التي كانت اللحظة المفصلية في وأد ولادة الدولة الكردية.. وحقيقةً نجح "أتاتورك" في نيل الدعم السوفييتي حيث يذكر التلفزيون الروسي من إحدى التقارير الإستخباراتية السوفيتية والتي تم رفع السرية عنها مؤخراً ما يلي: ((قلما من يعرف أن ثمة تمثالين لشخصين سوفيتيتين ضمن نصب الجمهورية التذكاري في ساحة التقسيم بمدينة استانبول، فإلى جانب تمثال كمال أتاتورك؛ مؤسس تركيا الحديثة، تمثال لـ"كليمن فرشيلف"؛ مفوض الشعب لشؤون الدفاع في الاتحاد السوفيتي وآخر لـ"سيمون رالف" أول سفير روسي في تركيا وقد ضم التمثالان إلى مجموعة النصب التذكاري بإيعاز من أتاتورك شخصياً)).

ويمضي التقرير ليقول: ((أما السبب وراء ذلك فيلخص فيما يلي؛ في السادس عشر من مارس عام 1921 تم توقيع معاهدة الصداقة والإخاء بين روسيا السوفيتية وتركيا وفي الوقت ذاته تم التوصل إلى اتفاق لتقديم معونة مالية لتركيا قدرها (10) ملايين روبل ذهبي إلى جانب مساعدة بالمعدات العسكرية وفي تلك السنة أيضاً أوفد إلى تركيا أحد رفاق لينين؛ "ميخائيل فرونزي" الذي طالما ألح على ضرورة أن تخصص الحكومة السوفيتية موارد إضافية لدعم الجمهورية التركية فزادت موسكو من مساعدتها الدبلوماسية والعسكرية والمالية للحكومة التركية وفي الفترة ما بين عامي 1920 و 1922 أرسلت روسيا إلى تركيا 39 ألف بندقية و 327 رشاش 54 مدفعاً و 63 مليون طلقة و 147 ألف من ذخائر المدفعية، إضافةً إلى سفينتين حربيتين، كما أسدت الحكومة السوفيتية العون في بناء مصنعين للبارود في أنقرة وفي الوقت ذاته قدمت إلى تركيا معدات لمصنع الطلقات والمواد الخام لهذا الغرض)).

وبخصوص الجهود الدبلوماسية يذكر التقرير التالي؛ ((وكانت الجهود الدبلوماسية مشتركة في سياق مؤتمر لوزان في عام 1922 و 1923 من الأمور التي سهلت التقارب بين البلدين.. لقد دعمت روسيا السوفيتية تركيا ودافعت عن سيادتها على المضايق وهكذا وبعد توقيع معاهدة لوزان نالت تركيا استقلالها وانسحبت القوات الأجنبية من أراضيها وفي التاسع والعشرين من أكتوبر أعلنت الجمعية الوطنية التركية الكبرى، النظام الجمهوري في تركيا وتم انتخاب مصطفى كمال رئيساً للبلاد)). وهكذا نجح "أتاتورك" وبذكاء أن يلتف على بنود اتفاقية سيفر والتي كانت قد أقرت بحدود دولة كردستان المقبلة حيث استطاع أن يلعب على الصراع بين الغرب الرأسمالي والقوة الثورية الوليدة في الاتحاد السوفيتي وبقناعتي أن الغرب رضخ لشروط أتاتورك في محاولة منها لعدم ذهاب تركيا إلى المزيد من التنسيق مع السوفيت وبالتالي ضرب المصالح الغربية والأمريكية لاحقاً في المنطقة وبالفعل فقد نجحت تلك السياسة حيث ستسوأ العلاقة بين كل من تركيا والاتحاد السوفيتي إبان الحرب العالمية الثانية وذلك عندما طالب "ستالين ببعض الأراضي التي استولت عليها تركيا من أراضي روسيا القيصرية" ووصلت الخلافات إلى الذروة مع انضمام تركيا للناتو عام 1951 لتعود الدفء لتلك العلاقات مع حكومة العدالة والتنمية وذلك حتى قبل إسقاط الطائرة الروسية.

وهكذا فقد خسر الكرد على إثر نجاح الثورة البلشفية والتعاون التركي الروسي ولادة دولة كردستان وذلك على مذبح المصالح الدولية والصراع الأيدلوجي بين كل من الغرب الرأسمالي والسوفيتي الشيوعي وسوف يعاد السيناريو مجدداً مع "جمهورية مهاباد" الكردية وذلك عام 1947 حيث سيتخلى الجيش الأحمر السوفيتي مرة أخرى عن دعم الجمهورية الفتية أمام هجمات الجيش الإيراني الذي أعاد احتلال أراضي كردستان (إيران) وذلك ضمن صراع القوى الدولية على منطقة الشرق الأوسط وكردستان.. وها نحن اليوم نعيش مواقف وظروف، لا نقول مطابقة، لكنها مشابهة من حيث الصراع على النفوذ وتقسيم المنطقة وفق المصالح الجيوسياسية لأسياد جدد لعالمنا المعاصر، فهل سينجح الكرد هذه المرة لأن يكونوا أحد اللاعبين الأساسيين _على الأقل على المستوى الإقليمي_ وينالوا حقوقهم ويؤسسوا دولتهم التي حرموا منها نتيجة المصالح الإقليمية والدولية وضعف الأداء الكردي في تلك المرحلة التاريخية السابقة، أم إننا سوف نعيد سيناريو الآباء والأجداد ونحن نتصارع على "ذنب الكلب"؟!

بقناعتي؛ بات الكرد في مستوى من الوعي والنضج السياسي ذاتياً وكعامل داخلي، ما يؤهلهم لأن يكونوا قادرين على لعب دور مهم على الساحة الإقليمية، كما أن الشرط الخارجي والمصالح الجيوسياسية تتوافق مع الدور الحضاري الكردي كقوة ثورية حضارية وناهضة للفكر السلفي الإسلامي المتطرف في المنطقة وبعيداً عن المفاهيم القوموية العنصرية، مما يؤهلها جميعاً لأن يكون للكرد وكردستان موقعها الجيوسياسي ضمن الخرائط الجديدة التي ترسم للمنطقة وفق مفهوم شرق أوسط جديد.. وبالأخير؛ نأمل أن تكون قراءتنا دقيقة وموضوعية بحيث لا نصاب بالمزيد من خيبات الأمل وذلك على مذبح المصالح والأجندات الدولية الإقليمية وبالتالي تكون ولادة دولة كردستان هي الخطوة التالية من مسألة تحرير الأقاليم الكردستانية من تحت نير الاحتلال لدول المنطقة والتي جعلت كردستان دولة مستعبدة على مدى عقود طويلة وللأسف!!

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة