الإيزيديون والدائرة الكردية


برس 23 Press // علي عيسو


قبل مئات الأعوام حاول البعض إيهام المجتمعات المجاورة لنا بأن الايزيديين لا يخرجون من الدائرة التي تُرسم حولهم، والهدف من ذلك كان الإستخفاف بعقول الايزيديين والإساءة إليهم وعزلهم عن المجتمعات الأخرى.




أما اليوم هُناكَ من يسعى لتمجيد ذلك الماضي عبر ربط المصير الإيزيدي وهويته ووجوده واستمرارية بقاءه بالهوية الكوردية، لكي يصبح الشغل الشاغل للايزيديين تخوين بعضهم بناءً على الإنتماء للهوية القومية، فمن يقول بأنه ايزيدي القومية كأنه ردَّ الإعتبار للايزيديين وأنهى من معاناتهم ومأساتهم، ومن يقول بأنه كردي القومية فهو سبب بلاء الايزيديين.




كم هو مؤلم أن نعود لتلك الدائرة التي كانت تُرسم لنا في الماضي، حيث الدائرة تتكرر اليوم ونرى أنفسنا بين خيار الخروج من القومية الكردية أو البقاء بداخلها، وهنا نزداد بعدًا عن القضايا الجوهرية المتعلقة بإبادة الايزيديين ونتمسك بالقشور التي لا يمكن أن تجلب لنا أي منفعة سوى خلط الأوراق وإلهاء الايزيديين بما لا ينفعهم والعودة بهم لتلك الدائرة التي وقع في فخها آنذاك البعض من الايزيديين حين صدقوا بأن خروجهم من الدائرة تعني الخروج من الدين.




إن هذا التحوير المتعمد للقضية الايزيدية وحصرها ضمن إطار تحديد الإيزيديين لهويتهم القومية، لها طابع سياسي محضّ ولا يجب أن نقبل به، ومن يحاول ربط الإبادة الجماعية الايزيدية الأخيرة بالهوية القومية، يُقلل من أهمية الإبادة ويصرف أنظار الايزيديين عن قضاياهم الجوهرية.




إن القومية الكوردية لم تكن سببًا لتلك الابادة، بل هنالك أسباب عديدة أدت لحصول الإبادة، ولا يمكن حصرها في جانب دون سواه، أما عن انسحاب البشمركة فالقضاء يجب أن يأخذ مجراه في ذلك وتحديد الجناة وتقديمهم للعدالة، حيث الجاني هنا ليست القومية الكوردية، بل الجناة هم أفراد أو قادة عسكريين أوسياسيين وقد تكون حكومات، ولكن حتمًا الجاني هنا ليست القومية الكوردية وليسوا البشمركة أو قوات قاسم ششو او القوى الكردستانية الأخرى من حزب العمال الكردستاني و وحدات حماية الشعب الكردية.




قد يسألني البعض، ما هي قضايانا الجوهرية ذات الأولوية المطلقة؟




قضايانا الجوهرية تتمحور حول ما يجب أن نعمل عليه في سبيل نصرة القضية الإيزيدية عن طريق العمل على الإعتراف بالإبادة الإيزيدية، وتوجيه كافة الجهود بغية تحرير المختطفين وذلك عبر الضغط على الحكومات المسؤولة، وايضًا العمل على إغاثة النازحين والللاجئين والمهجرين وإيجاد فرص آمنة لعودتهم، وأيضًا تحسين المستوى الإقتصادي للمناطق الإيزيدية المحررة، كما يجب العمل على المستوى السياسي من أجل تمثيل الإيزيديين بشكل أكبر داخل جميع مؤسسات الدولة بما فيها البرلمان والحكومة والعمل على اصدار قوانين تصون مستقبلهم إسوًة بالقوانين التي صدرت للدفاع عن اليهود بعد المحرقة التي تعرضوا لها، وهذا ما أكدتُ عليه في الندوة التي أقيمت بمدينة كولن قبل أيام عن السبل الممكنة لبقاء الإيزيديين على أرضهم التاريخية.




القضية الايزيدية لا يمكن إختصارها ببنود معينة، ولا يمكن نيلها ما لم تتوحد الجهود وتتكاتف الأيدي، وإن بقينا نتمسك بالقشور ونوزع صكوك البراءة لمن يتخد الايزيدية قوميًة له وصكوك التخوين لمن يتخد الكوردية قوميًة له، فيعني بأننا أمام دائرة تسعى إلى حصر الإيزيديين وإبعادهم عن جوهر قضيتهم العادلة.




الإيزيديون لن يعودوا لدائرة الماضي، ولن نكون جزء من أي سياسة بلهاء تتمحور حول الهوية القومية، وإن كان لا بد من تحديد الهوية القومية للايزيديين فلا مانع أن يناقش فيها المؤرخون الإيزيديون مستقبلًا بعد عودة جميع المختطفين ونيل جميع الحقوق المشروعة، ومن يصرّ على خلاف ذلك، فقط إسأله عما ستحققه المطالبة بالقومية الإيزيدية من منفعة تخص المختطفين واللاجئين والنازحين والمدن المحررة التي باتت تشبه الركام، فإن جاوب بأن القومية الايزيدية ستحل كل ما سبق وفقًا لآلية واقعية، سأكون أول من ينادي بالقومية الإيزيدية.
  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة