أردوغان .. الحاوي التركي


PRESS 23 | ريزان حدو

( أنا فهمتكم ) العبارة العالقة حتى الآن في ذاكرة شعوب المنطقة كإشارة لإنتهاء حقبة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ، 24 سنة أحتاجها الرئيس التونسي كي يفهم شعبه ، و عندما فهمه كان الأوان قد فات ؟!

ربما الأشهر الأربع التي قضاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سجنه بعد حكم قضائي صدر بحقه في كانون الأول 1997 بسبب قصيدة ألقاها في اجتماع جماهيري و التي تسببت أيضا" بعزله عن رئاسة بلدية اسطنبول ، كانت فرصة له لمراجعة حساباته ، وفهم كيفية التعامل مع الشعب التركي ، و الاستفادة من تجربة معلمه نجم  الدين أربكان الأب الروحي لتيار الإسلام السياسي في تركية و الذي أجبر من قبل الجيش التركي على الاستقالة بعد عام واحد فقط قضاه كرئيس للحكومة التركية إثر فوزه في انتخابات 1996 .

و لم يكد يستفق أربكان من صدمة إجباره على الاستقالة و حل حزب الرفاه و بينما كان يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى وجه الثنائي رجب طيب أردوغان و عبد الله غول  الضربة القاضية لأربكان بعد أن قادا انقلاب داخل الحركة الإسلامية التركية أدى إلى ظهور تيارين بالتزامن مع صدور حكم قضائي بحل حزب الفضيلة ( وريث حزب الرفاه ) في تموز 2001 ، التيار الأول حزب السعادة بزعامة أربكان و الثاني حزب العدالة و التنمية بقيادة أردوغان و غول .

كل هذه الأسباب جعلت من أردوغان أكثر رئيس و زعيم تركي فهم شعبه و عرف كيف يوجهه و يتحكم به بذكاء و حنكة لم يعرفهما التاريخ التركي من قبل ، فعلى الرغم من فشل سياساته الخارجية في السنوات الست الماضية ، إلا أنه برع في الالتفاف على تلك الإخفاقات و منعها من التأثير على شعبيته لأنه فهم شعبه و عرف كيف يتحكم بمشاعرهم و عواطفهم عبر خلق حروب استعراضية هنا و هناك ، مع لجوئه احيانا" إلى سياسة البحث عن شماعة يعلق عليها أخطاءه ، زارعا" بعقول مواطنيه و يصح إن قلنا مريديه !! أنها أخطاء فردية أو أخطاء ارتكبها أعداء مشروعه الذي يعمل على تحقيقه ( العثمانية الجديدة ) .

فوجد أردوغان في صديقه أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء السابق الشماعة التي يعلق عليها الأخطاء التي ارتكبت في السياسة الخارجية ،
و في الملفات العسكرية و الأمنية وجد ضالته في رفيق دربه الداعية فتح الله غولن زعيم حركة الخدمة أو الكيان الموازي كما تسميها الحكومة التركية ، فحمل حركة الخدمة مسؤولية إسقاط الطائرة الروسية ، و مسؤولية التعامل مع داعش عبر صفقات يصح تسميتها النفط مقابل دعم الجهاد ، جعلت من الحدود التركية السورية المعبر الرئيسي و العلني لدخول الجهاديين القادمين من شتى أصقاع الأرض و المنفذ الوحيد الذي يستطيعون من خلاله بيع النفط و المعامل و الآليات ... .

 و حمل أنصار غولن مسؤولية فشل العمليات العسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني ، و لولا أن تاريخ ميلاد غولن معروف للجميع لكان حمله مسؤولية المجازر العثمانية التي ارتكبت بحق الأرمن و اليونان و السريان و الكرد ، كي يكون مشروعه ( العثمانية الجديدة ) الذي يسعى إلى تحقيقه ورقة بيضاء ناصعة لا تشوبها شائبة و لن نتفاجئ إن خرج أحد علماء الدين ( رجال السلطان ) بفتوة شرعية أن الإنقلاب يجب ما قبله ، (في إشارة إلى إستثمار الرئيس التركي لمحاولة الإنقلاب الفاشلة 15 تموز 2016 للتخلص من خصومه و كنقطة ارتكاز تبرر تكويعاته و سياسته المستقبلية ) .

مقدمة ما سبق قد تقودنا إلى فهم حقيقة التصعيد الاستعراضي بين تركية و دول الاتحاد الأوروبي .

تذكرني الأزمة الحالية بين تركية من جهة و ألمانية و هولندا من جهة أخرى ، و انعكاسها الإيجابي على شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر اصطفاف أغلبية الشعب التركي ( القوميين - الإسلاميين - مؤيدين - معارضين ) خلفه و دعمهم لقراراته و مواقفه ، بالحالة التي حصلت بعد انسحاب الرئيس التركي أردوغان من مؤتمر دافوس 2009 إثر مشادة كلامية مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز حيث استقبل اردوغان استقبال الأبطال إثر عودته لتركيا ، و بينما كانت الجماهير التركية تهتف بحياة أردوغان قاهر الإسرائيليين ، كانت طائرات إسرائيلية تشارك الطائرات التركية في قصف مواقع حزب العمال الكردستاني في منطقة جمجو على الحدود العراقية التركية داخل الاراضي العراقية .

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة