ديار حاجي - "قامشلو...شارع الخليج...جانب مقبرة الكلدان"


ديار حاجي  | برس 23 PRESS

ستةُ كلمات هي عنوانُ بوصلة القلب ..... لازالت وستبقى ولن يتغير موضعُها بتغير الزمان والمكان والرياح والإتجاهات.....نقشتُ هذه الكلمات على قلبي كي لا أفتقدها أو انساها أو تضيع مني في يومٍ من الأيام......ولكُل كلمةٍ منها حكايات.....ولكُل حرفٍ من حروفها ال32 حكاية....

هُنا البيتُ الذي اشتراهُ الأبُ لأولاده ....ليُنجز بنفسه لهم أولَ خطواتهم نحو حياة التمدن والتحضُر.....فيما سيُمضي هو ما تبقي من عمره في بيته في القرية لا يُغادرها مُصاحباً فأسهُ ومعوله يجول بين أشجار الرُمان والتين والعنب والعرموط......كثيراً ما كُنت أتذكرُ "بيت الجبلاوي" الكبير الذي رسم ملامحهُ المُبهرة أديبُ نوبل "نجيب محفوظ" في روايته الخالدة "أولاد حارتنا" حين كُنت اتخيلُ منظره في الفترة الأخيرة .... ورُبما أن التجريد المكاني والزماني أوجد لنفسه مثالاً مُشابهً لبيت الجبلاوي في هذا البيت .....والشخصياتُ وقصة الوجود التي رواها نموذجٌ مُماثل.....هُنا إدريس وعرفة وها هو أدهم و وها هي عزبة البيت الكبير....وها هي الأحداث والرواية نفسها وكأن محفوظ يحكي نفس القصة .... لكُل غُرفةٍ قصة ولكُل لبنةٍ من لبنات البيت حكاية ورُبما كُنت أظن أنني آخر من سيحفر ذكراهُ على هذا الحائط ....ولكن رسالةُ العطاء والمحبة لاتعرفُ السكون أبدا ًولازالت الحياةُ مُستمرة وللذكريات مُتسعٌ آخر لدى القادمين ...

قامشلو بالواو الكوردية أو قامشلي بالياء التي يُصر الكثير عليها والغرابة هُنا بأنهما أكثرُ الحروف قرابةً لبعضهما أو زالين ولا أدري ان كان هنالك اسمٌ آخر لها ..... أخبرني عمي بأنها أعواد القصب التي تنبتُ على جانب الخابور ..... لكن ذلك القصب يموت ويذبلُ في الصيف مع قلة المياه .... وقامشلو ما عرفت يوماً الذبول ولا الموت ......كُلُ شيءٍ فيها حي ولا ينضب فيها المياه....قامشلو أبعدُ بكثير عن هذا المعنى هي أجملُ من أي شيءٍ رأيتُهُ في الحياة... أجملُ من السرمد بكثير ....كثير ما سألتُ في نفسي أيُ البشرِ أقربُ شبهاً لقامشلو وكُنتُ أقول ...لو كانت قامشلو أُنثى لكانت "ليلى قاسم" شهيدة الكرامة والشرف .....ولو كانت رجلاً فهو "كاوا الحداد" عاشق الحُرية الأبدي لاعجب في ذلك .....ولو كانت قامشلو طفلاً لكانت "روز غولاند" طفلة لندن الصغيرة التي كتبت نهاية الحرب العالمية بأصابعها الصغيرة على إحدى القنابل الألمانية مُعلنةً إنطلاق الحياة من جديد ......ولو كانت قامشلو أُماً لكانت تيريزا حتماً ولوكانت أباً لكانت لكان "يعقوب" والتي لا تزالُ الغاية في نفسه مما قاله لأولاده وقامشلو أيضا لا تزالُ تملكُ الاسرار....... اجتمعت كُل الأشياء هُنا والتقت جميعُ الأنهار .....لا يزال صوتُ "مُحمد شيخو" يصدحُ في أحياء الحارة الغربية يُنادينا  .......ولا يزالُ "جكرخوين" مُستيقظاً في قبره مُنتظراً بشرى ساقية الخمر ...... ومازالُ "فرهاد عجمو" يُلملم آخر الأوجاع رُغم ألمه بكلماته لايأبه لشيء......ولازال عادل حزني يُقيم الأفراح لا يهدىءُ ولا يتعب....هُنا قُطعت المدينة إلى نصفين ... وافترقت الأُختين هنا أصبحت "بنتخ" وأصبحت الأُخت الأُخرى في "سرخت" من هُنا مرت سكة حديد المشؤومة ....ومن هُنا مرت دباباتُ ومدافع المغول قاصدةً ثورة كوردستان.....من هُنا مر ابن المصطفى المختار تعانق جيبنه شروق الشمس لا .....هُنا ولدت كرامتنا وحريتنا في آذار..... هُنا يرقدُ الخزنوي سيدُ الشهداء وهُنا صرخ في وجه المُعتدي لا يُبالي ولا يخاف.....امتزجت دمائنا بفرحة النوروز هنا في قامشلو .....ولازالت الكلماتُ مُتعبة لاتستطيعُ أن تجد لكِ معنىً أوسع من قصبات البردي يا قامشلو ...

"شارعُ الخليج" والأصحُ هُنا "الخليجُ العربي" تسميةٌ ربما أتت من ضمن سلاسل التعريب المتلاحقة للمدينة وأهلها ......لكن شارعان فقط يصلان بين شارع السياحي المتميز وشارع الكورنيش والخليج إحداهم ....جزءٌ من هندسة طُرقية رائعة استطاع المؤسسون الفرنسيون أن يجعلوها مدينة لا يضيع فيها إنسان.....أخبرني عمي أن كُل شارعٍ في قامشلو يؤدي إلى دوار ومُفترق طُرق بالفعل "قامشلو" لا يضيعُ فيها أحد ...إلا من أغلق قلبه .... جميعُ الطُرق سالكة وتؤدي إلى مفارق طُرق وكذلك هي بيوتُها وأهلُها لا يفقدون العزيمة ولا الاستسلام سالكة دروبهم مهما اشتدت الصعوبات .... قلبُها مفتوحٌ للجميع لا يوجدُ في قامشلو أبوابٌ مُوصدة....

"مقبرةُ الكلدان" المجاروة للبيت تماماً..... كان أكبر هاجسٍ لدي أن أرى ماذا يوجد في داخلها ومن يسكُنها .....كان الجدارُ عالياً جداً بالنسبة لي .....عالياً لدرجة أني فقدتُ الأمل أن استطيع معرفة ما خلفه .... صعبٌ جداً أن يستوعب طفلٌ صغير فكرة الموت وهو لايزالُ يبدأُ الخطوات الأولى في مشوار الحياة .......رُبما كان تفسيري للموت والمقبرة شيءٌ آخر تماماً ذاك الوقت ......ازداد خوفي من المقبرة وحائطها الرمادي القريبِ من لون التُراب وحارسها صاحب الوجه العابس دوماً حين دخلها مرةً ابن عمي لجلب الكُرة التي كُنا نلعب بها وحين عاد.....جُرحت رجلهُ جُرحاً كبيراً ولم يستطع المشي ....أحسستُ أن هنالك أشياء خفية تحرسُ هذه المقبرة وأمواتها .....

إنها أيامُ عيد الميلاد ونهايةُ السنة...... تسألتُ كثيراً لماذ جلب لي ابن عمتي العزيز هدايا العيد هذه السنة وحاول أن يغمرني وأختي في الفرحة كما أبنه... ورُبما لاحظتُ دون أن أسأل غياب أبي مدةً طويلةً عن البيت ... أين هو.... وماسرُ هذا الغياب ... تحاولُ أمي أن تعوضنا غيابه ....سمعتُهم بالسر يتهامسون فيما بينهم خلسةً وخشية أن يسمعهم أحد ..... "لقد أخذوه إلى فرع فلسطين في الشام" ورُبما لن يعود ..... حقيقةً لم أُدرك المعنى الحقيقي لهذه الكلمة العجيبة وما هي فلسطين هذه لم أستطع ان ألفظها مرة أُخرى......هل تشبهُ قريتنا والشام هل هي أكبر من قامشلو ام ماذا؟.... وهل هي بعيدة جداً.... لا أدري ....لا أملكُ الأجوبة وأُفضلُ السكوت دوماً والبقاء كطفلٍ عابث دون أن يشعُر بما أعرفهُ الآخرون ....ووعدتُ نفسي بأنني لابُد أن أعرف الحقيقة حين أكبُر ....لماذا يخافون ...فلسطين ...الشام ...ومن أخذ أبي ... هذه الكلمات المُفتاحية ....سأبحث عن شيفراتها المُعقدة ....أذكُر بعد عدة سنوات وبالتحديد بعد بدء الألفية الثالثة عرفتُ ماهي فلسطين بعد الإنتفاضة ..... ازدادت عظمة أبي في نفسي بأنه تعب كثيراً في سفره إلى فلسطين ورُبما زار نابلس والضفة الغربيىة وجنين وحيفا والقُدس الشرقية هذه الأسماء التي حفظتها قلوبنا ...لكن كان تفسيراً خالياً من المنطق ......كُنتُ أحتاجُ لعشرين حولاً حتى أُدرك معنى "فرع فلسطين"....."والشام" ...."والذين أخذوه" .....وأن غيابهُ كان لسببٍ أكبر عظمة.

لازالت المشاهدُ الأخيرة ماثلةً أمام عيني إلى هذه اللحظة وكأن الحياة توقفت في تكرارٍ مُريب .....ضحكاتٌ في الغُرفة المجاورة لا يشوبها اي من متعاعب الحياة......وهاهو أبي يعود ومعهُ الهدايا والحلوى ولاشيء توازي تلك الفرحة.... وهُنا أكبر لحظة ألمٍ في حياتي تُفارق عمتي الحنونة الحياة الإنسانة التي ملئت قامشلو بصوت فرحها حين قدمتُ للحياة ....وها هُنا نجمعُ كُل أشيائنا لنمضي بعيدين .... بعيدين جداً ولن نعود ....هُنا انتهت الحكاية وبين قطع الجدران آخر الذكريات.

تمتلكُ قامشلو في رصيدها آلاف آلاف الأبناء الخيريين والأوفياء والفضل من عند الله أني كُنت منهم ولا زلتُ رُغم أمتلائي بكُل أسباب الغياب .... قامشلو أغلقتُ قصتها في قلبي لكنها لم تغلق كتابي ....لا تزالُ تستيقظُ كُل صباح على أملٍ وتنامُ على شوقٍ وتغفو بأمان وطمأنينة لا تهزُها ريحٌ ولا يُعكر صفو محبتها لأبنائها أيُ شيء.....أُعاتب الزمان الذي فرقني منكِ صغيراً .....وما أستطاع أن يُعيدني إليكِ كبيراً... أُعاتب الحياة التي أبعدتني عنك في وقتٍ كُنتُ أحوج الناس إليك.....أعاتب الشمس التي أشرقت والسماء التي أمطرتني لوحدي....أُعاتبُ الرحيل الذي أختارني دونكِ. 

أخبرني عمي كُل شيء يعرفهُ عن "قامشلو" .......لكن عمي نسي أن يُخبرني أو رُبما تركني لأعرف لوحدي أن" قامشلو" لا تنسى من نساها ولا تكرهُ من يكرهُها ....قامشلو لا تغلقُ أبوابها ولا تستلم لعواصف القدر ....كشجر السنديان لا تُفارقُها الخِضرةُ. 

لكُل إنسانٍ في الحياة رسالة وهدف يختارُه .......وفي النهاية لا بُد لهذه الرسالة أن تصل إلى عنوانها الصحيح .....وما ضرني في الحياة والقدر ما ألقاهُ فهي من قسمة الله لعبده في حياته .... لكن ما أعلمُهُ أن رسالتي مهما عانت في الطريق .....لن تُضيع العنوان في يومٍ من الأيام ابداً .......فالعنوانُ محفورٌ في ثنايا عضلة التامور على جدار القلب .....هي
"قامشلو ... شارع الخليج ...جانب مقبرة الكلدان
  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة