مشروع "الأمة الديمقراطية". هل تجعل من الكورد أحد لاعبي شرق الأوسط الجديد؟!


PRESS 23 | بير رستم (أحمد مصطفى)

إن سوريا وعموم المنطقة العربية والشرق أوسطية ومنذ سنوات تشهد صراعاً سياسياً عسكرياً ميليشاوياً وذلك بين عدد من الدول الإقليمية المتحالفة مع قوى محلية داخلية وبإشراف وإدارة شبه دولية حيث الجميع يبحث عن مناطق نفوذ ومساحات جغرافية جديدة تحقق مصالحها الجيواستراتيجية وعلى الأخص الدولتان السياديتان؛ الروس والأمريكان مع حلفائهم الأوربيين وبعض دول المنطقة ذات التأثير على ملفات المنطقة مثل إيران وتركيا ضمن لعبة المصالح الحيوية وبغطاء طائفي مذهبي وللأسف، لكن وإلى جانب هذا الصراع الديني مظهراً والاقتصادي مضموناً، ظهر مشروع آخر يقوده الكورد _منظومة العمال الكوردستاني_ تحت مسمى "الأمة الديمقراطية" كطريق ثالث لحل مجموعة القضايا والأزمات السياسية العالقة في المنطقة وضمناً ملف القوميات وحقوق الشعب الكوردي في مختلف أجزاء كوردستان.

وبخصوص المشروع وقابلية النجاح والفشل فقد كتب الكثير وأصبح _وما زال_ موضع نقاش بين النخب السياسية والثقافية، مع أو ضد وذلك كأي مشروع فكري آخر جديد وخاصةً إنه توفرت الظروف المهيأة لتنفيذه على الأرض في خطوة شبيهة بالمشروع الاشتراكي السوفيتي والثورة البلشفية حيث نجد اليوم بأن حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والذي يعمل وفق النهج والفلسفة الأوجلانية بدأ بتنفيذ المشروع في منطقة تمتد على مساحة روج آفاي كوردستان والشمال السوري، مما يدفع بالكثير من الكتاب والمثقفين لطرح المسألة بجدية على طاولة النقاش. وبالتالي بدأ الكثيرين يتناولونها بحثاً ودراسة ومدى جدية المشروع واحتمالات النجاح والفشل في ظل الظروف التي تعصف بالمنطقة .. ومن بين عدد من الذين تناولوا المشروع مؤخراً لفت انتباهي مقالة مقتضبة للصديق والكاتب الكوردي "حسن خالد" حيث كتب على صفحته الشخصية مقالة بعنوان "ويتجدد الحلم...؟!" يقول فيها:

((أبناء المنطقة (الشرق الأوسط - أبناء النور والنار) كان لهم حلم ومحاولتين في النهوض والتوحد والسؤدد .. أيام الناصر صلاح الدين الأيوبي "كردي الانتماء" ظهر في أحلك أيام يعيشها أبناء المنطقة "تنوع عرقي" حينما وحّد البر الشامي مع البر المصري تحت راية (لا إله إلا الله) التي تختلف في مضامينها مع الراية التي يرفعها الآن (همج العصر) وكان بحق موحّد الأمم الإسلامية وقاهر المشروع (الصليبي) آنذاك ومحرر بيت المقدس ...؟! ودارت الأيام وظهر محمد علي باشا (الكردي أيضاً) وبدأ من مصر وحاول توحيدها مع البر الشامي ثانيةً وهدد العرش العثماني في عرينه، فكانت المحاولة التي كانت قاب قوسين أو أدنى لتحقيق الحلم في بناء كيان يضاهي الكيانات القوية ويتجاوزها لولا (شعور الغرب) بخطره، فقلموا أظافره، وفرضوا عليه صلح "كوتاهية" وبقيت سلالته تحكم مصر حتى عام 1952 إلى أن قامت ثورة 23 تموز..)) ويضيف؛ ((وها هي الآن شمس الكرد تستطع من جديد نحو بناء جسم جديد لأبناء المنطقة ككل (وهي في أحلك أيامها)، فهل سيتحقق الحلم، أم أن للغرب (مع أصحاب النظرة الضيقة) كلمتهم كما في المرتين السابقتين...؟!)).
بدايةً أتوجه بالشكر للكاتب على القراءة التاريخية الدقيقة والتحليل الموضوعي لمرحلة تاريخية جد مهمة كانت ستغير من ملامح ووجهة الشرق وتوزيع مراكز القوى للمكونات الأقوامية في المنطقة حيث بنجاح أحد المشروعين كان سيتغير الكثير من المعطيات على الأرض وكنا وجدنا الدولة الأيوبية بدل الخلافة العثمانية وبالتالي تسيد العنصر الكوردي بدل التركي في نهاية القرن التاسع عشر وذلك على الرغم من انهيار الخلافة في نهاية تلك المرحلة .. أما بخصوص نجاح المشروع الأخير؛ "الأمة الديمقراطية" وهل سيسمح الغرب لها بالتمدد والنجاح الكلي، فأعتقد أن المصالح الغربية عموماً مع دول وشعوب المنطقة لن يسمح لها الرهان على الكورد ومشروعهم السياسي وحدهم وذلك رغم أهمية الدور الكوردي مؤخراً كلاعب جديد ومهم على ساحة الشرق الأوسط، لكن بالأخير فإن الغرب تهمه مصالحه ومصالحه مع كل الدول ومكونات المنطقة.

وبالتالي فإن الغرب لن تراهن على الكورد وحدهم، رغم إنها لن تتخلى عنهم نهائياً كما في المرات السابقة وبالأخير سيحاول الغرب إرضاء كل الفرقاء وعلى حسابهم وحساب مصالحهم وشعوبهم وذلك بالاتفاق على صيغ جديدة لتقسيم النفوذ والمصالح في المنطقة، لكن الكورد سيكونوا أكثر المنتصرين؛ أولاً بحكم إنهم لم يكونوا سابقاً يملكون شيئاً ليخسروه وثانياً؛ لأن الغرب يجد في الإسلام خطراً دائماً محدقاً بها وبما أن الكورد عموماً _وعلى الأخص في صيغة مشروع "الأمة الديمقراطية"_ بعيدين عن الفكر الإسلامي في حين (أعدائهم) يحملون فكراً ومشروعاً إسلاموياً، فإن الدعم الغربي الأكبر سيكون من نصيب الكورد وهم هنا يذكروننا بالمشروع الكمالي _"مصطفى كمال أتاتورك"؛ مؤسس الجمهورية التركية_ وذلك عندما طرح العلمانية لينقذ بها ما تبقى من تركيا الحالية كوريث لخلافة عثمانية إسلامية تم القضاء عليه من خلال تحالف غربي أوربي مسيحي .. وهكذا فإن الكورد وفي التجربتين السابقتين، كانوا ضحايا الصراع الديني؛ المسيحي الإسلامي، لكن هم اليوم في الضفة الأخرى من الصراع حيث التحالف مع الغرب ضد الإرهاب والتطرف الداعشي في آخر نسخها الإسلامية ولذلك _وبقناعتي_ فإن النجاح سيكون حليف الكورد هذه المرة.

ملاحظة؛ بالمناسبة مشروع الأمة الديمقراطية بنسختها الفلسفية لن ينجح في هذه المرحلة التاريخية ليس فقط لأن الغرب ضدها، بل لأن الظروف والبيئة الاجتماعية والثقافية غير مهيأ لقبول هكذا مشروع فكري سياسي في الوقت الراهن، لكن ذاك لا يعني بأن الكورد لن ينالوا حقوقهم، بل وكما قلت سيكونون أكبر الرابحين في التوازنات الإقليمية الدولية الجديدة بالمنطقة لكن وفق المصالح الدولية وليس وفق المشروع السياسي المطروح بصيغة "الأمة الديمقراطية".

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة