بين الهدف الإيراني و المظهر الأمريكي .. يقبع الانتصار الروسي


PRESS 23 | ريزان حدو

عادت موجة الحديث و التكهنات و التحليلات عن اختلاف روسي إيراني في طريقه ليصبح خلاف و عداوة بعد الاجتماع الذي جرى في مدينة انطاليا التركية في السابع من آذار الجاري بحضور رؤوساء أركان جيوش كل من الولايات المتحدة جوزيف دانفورد ، و روسيا فاليري غيراسيموف ، و تركيا خلوصي آكار ، مع غياب لأي حضور إيراني و هو أحد الأطراف الأساسية الصامتة و الراعية لاجتماعات الآستانة ؟!

و بدأ الرهان على قرب حدوث صدام عسكري بين الحليفين روسيا و إيران ، و إن كان تبني أوساط المعارضة السورية و الدول الداعمة لها لمثل هكذا توقعات يمكن تبريرها من خانة الأمنيات ، فإن المستغرب هو تبني هذه الرواية من سياسيين و إعلاميين من المفترض أنهم ينتمون إلى نفس المحور ؟!

و الأكثر غرابة هو تركيز البعض على مؤتمر أنطاليا و هو إجتماع تكتيكي لتدعيم تصورهم بخصوص تأزم العلاقات الروسية الايرانية ، و تجاهلهم لما صدر من مواقف استراتيجية روسية إيرانية على هامش انعقاد الدورة 53 لمؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير الماضي ،فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعا إلى قيام نظام عالمي جديد أسماه ( نظام مابعد الغرب ) ،
تصريح لافروف لاقاه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عندما شدد على أن الوفد الإيراني شارك في مؤتمر ميونيخ بتوجهات جديدة و قال ( إن العالم دخل مرحلة مابعد الغرب و لم تعد كل تطورات العالم تصنع في الغرب ) .

الترويج للخلاف الروسي الإيراني لم يكن وليد اليوم ، و ليس انعكاسا" لاجتماع أنطاليا ، بل بدأ منذ لحظة إعلان موسكو عن بدء سلاح الجو الروسي بتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية في 30 سبتمبر 2015 ،
 أسال الإعلان الروسي وقتها أسئلة و تحليلات كثيرة, ولكن أكثر تلك التحليلات فسرّت التدخل الروسي على أنّه ثمرة لاتفاق روسي – إسرائيلي خطوطه العريضة الحدّ من النفوذ الإيراني في سوريا وبالتالي إضعاف حزب الله عدو إسرائيل الأول وبالمقابل توفير الدّعم لروسيا بوتين سياسيّا” واقتصاديا” إعلاميا” عبر اللوبيات الصهيونية في مواجهة الخطط الأمريكية والأوروبية الرامية لتطويع بوتين .

ومنهم من ذهب أبعد من ذلك عبر نشر أخبار وتحليلات ومقالات عن خلاف روسي – إيراني كبير ومنها على سبيل المثال الخبر الذي تداوله بكثرة عن النداء الذي أطلقه الجنرال قاسم سليماني بضرورة محاربة الجنود الروس المتواجدين على الأراضي السورية لأن التدخل العسكري الروسي جاء ليحد من النفوذ الإيراني في سوريا ومحاولةً استباقيّة من بوتين لقلب الطاولة على أي اتفاق أمريكي- إيراني في سوريا كثمرة من ثمرات  الاتفاق النووي ، مع الغمز من جهة التحسن الكبير الذي تشهده العلاقة الروسية الإسرائيلية كترجمة لرغبة و مصلحة مشتركة في العمل على إفشال الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني عبر البوابة السورية .
ولكي نفكك شيفرة التّدخل العسكري الروسي نرى أنه من المفيد التذكير ببعض الأمور :

إيران بالنسبة لروسيا هي خط الدّفاع الأول أمام المدّ السنيّ الجهادي .

فروسيا والذي يعد الإسلام فيها الديانة الثانية رسميا” بعد المسيحية الأرثوذكسية ويقطن في العاصمة الروسية مليوني مسلم آخذين في الاعتبار الجمهوريات السوفياتية الإسلامية في آسيا (تركمانستان قرغيزستان طاجيكستان أوزبكستان كازخستان أذربيجان ) و في أوروبا (الشيشان داغستان قبردينو – القرم – ماري – أدمورتيا تشوفاشيا – بشكيريا – أورونبرغ – بلقاريا – أوستينا الشمالية) وأغلب المسلمون هم أهل السنّة وبالأخص المذهب الحنفي باستثناء أذربيجان حيث يتواجد فيها حوالي مليوني شخص يعتنقون المذهب الشيعيّ الجعفريّ .

كما أنّ العراق وسوريا هما خط الدفاع الأول عن إيران .
كما أن سوريا بالنسبة لحزب الله هي المحيط والمنفذ الاستراتيجيّ للحزب.
إذاً” لا مصلحة روسيّة في خلق حالة من العداء مع إيران بل على العكس روسية بوتين استفادت من أخطاء الاتحاد السوفياتي عندما انفرد بالتدخل في أفغانستان بدون حلفاء أقوياء فكان الفشل الأكبر بينما قياسا” للتجربة السوفياتيّة حققت واشنطن نجاحا” نسبيا” في أفغانستان والعراق مستفيدة من تلاقي المصالح التي جمعتها مع إيران .

إنّ السياسة الروسية بخصوص الملف السوري شهدت مؤخرا” تسارعا” في الأحداث والموقف وإعادة التذكير بالتسلسل الزمني لأبرز المحطات الأخيرة ستساعد كثيرا” في تفسير ماجرى :

1- في 15 تموز دعوة روسية لإنشاء تحالف لمحاربة الإرهاب تضم سوريا والمملكة العربية السعودية وتركيا تلك الدعوة التي تتعامل معها السعودي والتركي بفتور اتبعت بتصريحات متشددة رافضة لأي تحالف لايؤدي لرحيل الأسد .
2- في 24 تموز تسريب متعمد من الجانبين الروسي والإيراني لخبر زيارة قائد فيلق القدس قاسم سليماني للعاصمة الروسية موسكو ومن هنا بدأ الإعداد للإنطلاق للخطة ( ب ) كما يقال ألا وهي البدء بالتحضيرات اللوجستيّة تمهيدا” للتدخل العسكريّ الروسيّ المباشر في سوريا .
هذه المعطيات التي سبقت التدخل الروسي العسكري المباشر تفيدنا بقراءة المرحلة التي نمر بها حاليا" و إلى أين ستؤول الأمور  ؟ و ما الذي تريده الدول الفاعلة من الملف السوري ؟ 

الإيراني يدرك أن طريق طهران - بيروت يمر من شرق الفرات إلى غربه وصولا" للبحر لذا تعتبر معركة الرقة و دير الزور هي معركة إعادة وصل شرق الفرات بغربه . 

روسيا و الصين تلتقيان مع الإيراني في أهمية تأمين الطريق المشرقي كي يبقى الشرق قبلة سورية .

من البديهي و نحن نتحدث عن وصل الشرق بالبحر المتوسط أن يتبادر إلى ذهننا سؤال عن الوجود الأمريكي في شرق الفرات ؟!
من يتابع التحركات و الأشغال الأمريكية في الشرق يدرك أن أمريكا تمسك بشرق الفرات لتفاوض عليه لا لتبقى فيه .
إيران تهمها النتيجة ألا وهي بقاء حليفها التاريخي الرئيس السوري بشار الأسد .

أمريكا تهمها البزنس و المظهر  ، عبر حل يريح الإدارة الأمريكية الحالية من أعباء مغامرة عسكرية ويحفظ ماء وجهها ووجودها في شرق الفرات كي تستثمره في دعم موقفها في التفاوض على أماكن أخرى بنفس الوقت .

روسيا وإيران و دمشق يملكون أوراق القوة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها يملكون أوراق الحل .
فأنتجت الخلطة السحريّة قوة الحل والتي تتضمن الجوهر الإيراني مع المحافظة على المظهر الأمريكي .
- القوة :  ستستخدم في محاربة الإرهاب وحل مؤقت انتقاليّ يسير الأمور بانتظار القضاء على الإرهاب للانتقال للمرحلة الثانية .

- الحل : هو وصفة سحرية تتضمن الجوهر الإيراني مع المحافظة على المظهر الأمريكي متسلحا" بأوراق تفاوضية ( مقايضة ) .
و بين الجوهر و المظهر يقبع الانتصار الروسي عبر عمل جراحي مبني على رؤية و تشخيص روسي  تكون نتائجه : الدولة السورية بأجهزتها ومؤسساتها باقية، التقسيم صار من الماضي ، ستحتاج سوريا لمرحلة استشفائيّة ما بعد العمل الجراحي قد تطول قليلا” ثم ستتعافى كليا”.

ولكن المؤكد أنّ سورية لن تعود كما كانت قبل آذار2011 ….. بل ستعود أقوى مما كانت عليه… هكذا يقول التاريخ..!

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة