أستانا-2 وجنيف-4: فك عقدة التناقضات والتدخلات الإقليمية



PRESS 23 | صلاح الدين بلال


انتهت جولة جديدة من المفاوضات السورية-السورية في مؤتمر أستانا الذي ترعاه اطراف إقليمية في سبيل حل الوضع السوري المتأزم منذ خمس سنوات ونيف ووضع حد لنزيف الدماء اليومية من كافة أطراف النزاع السوري في ظل متغيرات دولية أثرت بشكل مباشر على مفاوضات أستانا من جهة وعلى الجولة الرابعة من مفاوضات جينيف التي على وشك أن تنطلق، ويبدو أنه نتيجة التجاذبات السياسية ستكون مفاوضات أستانا حلقة جديدة من حلقات متتالية غير منتهية بسبب الخلافات الكبيرة بين الأطراف الراعية الدولية من جهة وبين أطراف النزاع السوري-السوري من جهة ثانية.

ويبدو أن خلافاً حقيقياً ظهر لأول مرة بين الدول الراعية للمفاوضات يتلخص في عملية تأخير للمفاوضات ليوم كامل عن الموعد الرسمي الذي كان من المفترض أن يكون في تاريخ الخامس عشر من شهر فبراير الجاري، إضافة لتأخر في حضور أعضاء الوفد الذي لوحظ أنه تم تغيير بعض الأسماء التي كانت تتواجد في الجولة الأولى وتم تطعيمها بأعضاء جدد من المرشحين لاجتماعات جنيف استناداً لوثيقة الهيئة العليا للمفاوضات، وإضافة تشكيلات عسكرية جديدة لم تكن تتواجد في الاجتماعات الأولى يمكن توصيفها على أنها تلك المحسوبة على الجبهة الجنوبية المدعومة من الأردن التي انضمت كدولة مشاركة في الاجتماعات .

لكن المشاورات الثلاثية الإيرانية – الروسية – التركية، انقذت محادثات أستانا قبل البدء بها من خلال الزج بأكبر قدر ممكن من التشكيلات العسكرية والممثلين السياسيين للعمل على إنجاح الجولة الثانية، التي من الممكن القول إنها ممهدة لاجتماع جينيف-4 الذي يفترض أن يبدأ في 23 شباط/ فبراير من الشهر الجاري، في ظل حدوث غيابات كبيرة ضمن وفود المعارضة السورية وحدوث خلافات علنية حول طريقة تشكيل الوفد التي قد تؤثر على مجريات انعقاد اجتماع جينيف، أو على الخروج بقرارات حاسمة قابلة للتطبيق داخل الأراضي السورية.

لكن بالعودة إلى مباحثات أستانا، فقد أشارت كافة التقارير إلى أن وفد المعارضة الذي اكتمل نصابه في السادس عشر من شهر شباط/ فبراير الجاري، قد أتى بحزمة طلبات تم وضعها على الطاولة مع الروس بوجود الضامنين الدوليين في اجتماع استمر لثلاث ساعات وأبرز هذه البنود هي وقف إطلاق النار والحديث عن مصير المعتقلين والمساعدات الإنسانية ووجود ضامن حقيقي لممارسات النظام السوري، إضافة لعدة بنود تتعلق بالخطوات العملية لوقف إطلاق النار تم تقديمها في السادس من شهر ذاته، إلا أن الروس حينها لم يقدموا إجابات واضحة حول مبادرة المعارضة آنذاك.

موقف المعارضة السورية:
تحفظت المعارضة السورية المشاركة في الاجتماعات الأخيرة على عدة نقاط كان من أبرزها وجود إيران ضمن اللجنة الثلاثية الضامنة لتنفيذ قرارات أستانا كونها بحسب المعارضة جزء من المشكلة في سوريا، وهي من عرقلت تنفيذ وقف إطلاق النار المتفق عليه في اجتماع أستانا الأول، إضافة لذلك فقد تحفظت المعارضة السورية على تأخر الجانب الروسي بما يخص مناقشة بنود وقف إطلاق النار من جهة وفتح ملف المعتقلين من جهة ثانية، وظهر بشكل واضح اتفاق في صفوف المعارضة السورية على ضرورة إنهاء وجود التشكيلات المسلحة الأجنبية الداعمة للنظام السوري والمعارضة والعمل على إخراجها بأقرب وقت كجزء من تنفيذ الحل السياسي في سوريا مع التمسك بالقرار 2245 وتحديداً البند المتعلق بانتقال للسلطة في سوريا بشكل ديموقراطي.

لكن اللافت في الأمر هو وجود غياب واضح لأغلب الوجوه العسكرية التي كانت تتواجد في الاجتماعات الأولى لأستانا، حيث غاب ممثلي جيش إدلب الحر وجيش العزة والفرقة الساحلية الأولى وممثل جبهة ثوار سوريا، لكن بالمقابل فقد برزت وجوه جديدة مثلت الجبهة الجنوبية السورية من خلال بشار الزعبي رئيس المكتب السياسي لجيش اليرموك، إضافة لوجود ممثلين عن جيش العشائر المدعومة اردنياً والتي شاركت في الاجتماعات التمهيدية في الثامن من فبراير الجاري بوجود الوفد الأردني الذي تمثل بسفير الأردن في كازاخستان.

وبنظرة سريعة يمكن القول إن التغييرات التي طالت أعضاء الوفد في أستانا إنما هي تغييرات تسير على نهج الوفد المشكل من قبل الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض؛ حيث تم الزج بأعضاء جدد في أستانا كان قد تم اختيارهم كأعضاء للهيئة العليا إلى جينيف-4، ما قد يمثل ثقلاً سياسياً جديداً للهيئة المدعومة من المملكة العربية السعودية.

ومن ناحية أخرى، كانت هناك قبل انعقاد مؤتمر أستانا، وفود من الائتلاف السوري المعارض، زارت موسكو من أجل تنسيق العمل في أستانا، وما بعدها، وكان الوفد قد ضم كلاً من نائب رئيس الائتلاف عبد الاحد سطيفو، وعضوي الهيئة السياسية هادي البحرة وبدر جاموس، والهدف من الزيارة كان واضحاً بشكل كبير؛ إذ أن الهيئة العليا للمفاوضات تريد العمل مع موسكو سياسياً بشكل منفرد عبر الائتلاف وذلك كون الهيئة العليا تستهدف في هذا الوقت الإطاحة بدور منصتي القاهرة وموسكو في جينيف-4، وهذا ما يشكل تردداً واضحاً لدى السياسيين الروس المسؤولين عن الملف السوري في الشروع في هذا التعاون، ويبدو في النهاية ومن خلال تصريحات الروس، أن هناك تحفظاً روسياً حول التخلي عن منصات القاهرة وموسكو.

الدور الإقليمي:
يبدو أن هناك سعياً واضحاً من الدول الإقليمية من أجل المضي قدماً في الملف السوري وظهر هذا جلياً في عملية إضافة إيران إلى اللجنة الثلاثية الضامنة، ودخول الأردن كشريك في المفاوضات كدولة متنفذة في الجبهة الجنوبية ودعوات واضحة من أجل إقحام العراق في الجولة المقبلة ما قد يعزز الحلف الروسي التركي في مجال العمل على تشكيل بوتقة إقليمية لإنهاء الملف السوري هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الوثيقة الثلاثية التي قدمتها الدول الضامنة للاتفاق في سوريا والتي تتمثل بإيران وتركيا وروسيا، تعزز الاقاويل حول هذه الرغبة.

ويبدو أن الدول جادة في هذا الطرح حيث تم الطلب من وفد الأمم المتحدة في أستانا المشاركة في تنفيذ الاتفاق الثلاثي وعلى رأس تلك البنود وقف إطلاق النار وتبادل الاسرى بين النظام السوري وفصائل المعارضة مع استمرار المباحثات الجدية حول وثيقتين الأولى تتعلق بخرائط انتشار الفصائل المسلحة وفصل المعارضة المعتدلة عن المتشددة وآلية تحديد خروقات وقف إطلاق النار وكيفية الرد عليها من الدول الضامنة، ما قد يعزز العمل بشكل جدي على توسيع رقعة الجغرافية المخصصة لوقف إطلاق النار في سوريا.

وبالرغم من هذا التوافق الثلاثي، فيبدو أن هناك دولاً مترددة في تنفيذ اتفاقيات أستانا، خصوصاً تلك التي تتحدث عن بنود متعلقة بتسليم خرائط المعارضة العسكرية ووقف إطلاق النار؛ حيث أن هذه الدول تعزو عدم موافقتها إلى عدة أسباب وعلى رأسها عدم وجود موقف واضح حتى الآن من الميليشيات الإيرانية وقوات حزب الله، إضافة إلى عدم وجود بند واضح يقضي بتسليم السلطة في سوريا وإسقاط النظام الحاكم الحالي، وهذا الامر قد يعرقل بشكل كبير التقدم إلى خطوات مصيرية في الاتفاق المستقبلي حيث تشكل بعض الدول الإقليمية كتركيا تأثير كبيراً على الفصائل العسكرية والمعارضة السياسية، إضافة إلى وجود هشاشة في تنفيذ البنود التي تم الاتفاق عليها سابقا في اجتماع أستانا-1، واجتماع أنقرة، وهذا ما يعزز التقارير التي تحدثت عن رغبة المعارضة المدعومة من تركيا بالانسحاب من أستانا، والشروع في تعليق المشاركة فيها؛ بسبب عدم وقف إطلاق النار في عدة مواقع سورية، وخصوصاً بعد الحديث عن فشل في مؤتمر أستانا-2 من قبل المعارضة السورية.

آلية تنفيذ اتفاقية أستانا
تضمنت الآلية التي تم طرحها على وفد الأمم المتحدة عدة نقاط، تتعلق أولاً بآلية تسجيل الخروق ونظام تطبيق العقوبات على المخالفين لتنفيذها؛ حيث تفيد المعلومات أن الخلاف ما زال قائماً، رغم انتهاء جدول أعمال المؤتمر الثاني لأستانا؛ بسبب عدم توقيع الفصائل العسكرية على الاتفاق الخاص بالآلية نظراً لوجود إيران كطرف ضامن للاتفاق، وتم التوقيع فقط على الضامنين الرئيسين روسيا وتركيا من قبل المعارضة السورية.

واستناداً للوثيقة فإنها تحدثت عن وجود ممثلين عن تركيا وروسيا وايران وخبراء من الأمم المتحدة للوصول إلى حلول لقضايا قيد البحث في الاجتماع، وأن خبراء الأمم المتحدة سيدعون لتقديم الدعم الفني للمجموعة الرئيسية، التي ستعقد اجتماعات دورية بمواعيد وأماكن محددة، لمناقشة القضايا المتعلقة بالتقدم في تنفيذ وقف النار في سورية والتحقق من خروق وقف النار لتحديد المسؤول عن الخروق  التي تم تعريفها بأنها كافة الأعمال العدائية، وأي استخدام للقوة من قبل الأطراف المشاركة في المفاوضات، ومنع المساعدات الإنسانية من الوصول إلى المدنيين، أو مخالفة القرار 2254، مع الاتفاق على اتخاذ إجراءات لمنع خروق إضافية وخفض العنف، إلى جانب تبادل معلومات عن الخروق، مقدمةً من الأطراف بمساعدة من مراكز وقف النار الوطنية (في تركيا وروسيا وإيران)، ومركز العمليات التابع للأمم المتحدة في جنيف، والبحث في جهود تبادل المعتقلين والمخطوفين والسجناء وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والعمل على تقديم الخرائط العسكرية لقوات المعارضة السورية وعدم تغيير المواقع دون إعلام لجنة العمل في أستانا، أو الضامن التركي كونه المقرب من المعارضة السورية، إضافة لاستمرار قتال الجماعات المتشددة. كما أن الوثيقة تحدثت عن إشراك الولايات المتحدة في المباحثات؛ من خلال تفعيل دور المجموعة الدولية لدعم سورية والتي تقودها روسيا والولايات المتحدة وإبلاغها بنتائج عمل أستانا بشكل دوري.

نظرة تحليلية مستقبلية:
يمكن القول إن التقدم في اجتماعات أستانا وجنيف وما بعدها هو بمثابة استنزاف للوقت وتعقيد مستمر للمهمة السياسية المعقدة أصلا في سوريا، لا سيما في ظل تواجد عدة أطراف للمعارضة السورية ووجود أكثر من مؤتمر دولي وإقليمي (جنيف – موسكو – أستانا –  القاهرة – أنقرة – فينا -  لندن – باريس)؛ لحل الوضع السوري وبتداخل عدة أطراف إقليمية فاعلة في الشأن  السوري، وهذا ما قد يجعل العمل في الموضوع السوري عسيراً بشكل كبير، وقد يعود بالعمليات العسكرية إلى الواجهة، لكن هذه المرة بشكل أعنف من السابق نتيجة تعدد وجهات النظر الإقليمية، وباستحالة العمل في الملف السوري سياسياً في هذا الظرف وضمن المعطيات الراهنة.


صلاح الدين بلال – مدير مركز أسبار للدراسات والبحوث

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة