هل كانت الثورة بحاجة للذكاء أم للخبرة ؟! - تدوينة بهزاد دهير



PRESS 23 | بهزاد دهير


 في ظل قراءة سريعة للمراحل التي مرت بها  الثورة السورية ، وأسباب عدم إنتصارها ليومنا هذا ، يبقى السؤال   لماذا لم تنجح الثورة السورية ؟ 

ينتظر الكثيرون اليوم  نتائج محادثات آستانا وما قد تخلفه هذا الإجتماعات والتحضيرات من جهود   قد تنجح  في وقف حمام الدم في سوريا  في ظل وجود دول و أطراف فعالة داخل هذا الصراع وقد تمتلك مفاتيح حل مثل تركيا وروسيا  بحكم أنهم  الرعاة الرسميين للقوى المتناحرة في سوريا، غير أن ما يُلوح في الأفق يعكس مدى صحة هذه الرؤية ، مع بداية الثورة السورية  وصعود موجة الإنشقاقات منها العسكرية والسياسية لم تخلو هذه الانشقاقات من شخصيات ورتب عسكرية كانت صاحبة وزن وثقل لدى النظام ، ليتم لاحقاً تشكيل مظلة سياسية تضم بعضاً من هذه الشخصيات  تحت ظلها ، على مبدأ أنها تملك الخبرة السياسية والعسكرية حيث كانت الرؤية تتمثل بحتمية الحسم العسكري أكثر من السياسي ... وأن  وجودها في صف الثورة قد يكون ذلك مكسباً لها ولشرعيتها ، ليتم الإعلان عن ولادة جسم سياسي تحت مسمى المجلس الوطني السوري الذي شكل في أواخر عام 2011 والذي حظى بمباركة دولية وإقليمية بالتزامن مع متطلبات  المرحلة حينها والتي استوجبت   تشكيل جسم كالمجلس  يمثل الحراك السوري سياسيا في المحافل الدولية  وليتم طمأنة العالم أن سورية الجديدة ستكون مستقرة وآمنة في ظل الدولة المدنية المنتخبة ديمقراطياً، في ظل وجود سياسي فعال للأقليات داخله وأن المذعور من وجود الإخوان المسلمين في سوريا وما قد يحصل لهم من هؤلاء الإسلاميين الذين قد يصلوا لزمام الحكم ،والمخاوف من وجود نظام حكم ديني، وبالرغم من تشكيلته  التي ضمت شرائح واسعة  وشخصيات معتبرة  إلا إنه لم يستتطع السيطرة على القرار  العسكري، ،على الارض بسب إرتباط  الفصائل العسكرية بعلاقات دولية وإقليمية ، وبعضها يطلق الولاء خارج الحدود ... مادعى ذالك لتوسيع الحلقة أكثر ليصبح المجلس الوطني نفسه جزءً بعد أن كان الممثل الوحيد للشعب السوري سياسيا أنذاك ، داخل  ائتلاف سوري يضم معظم أطياف المعارضة . ليحظى بدوره أيضاً  دعما من تركيا  والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا، الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى جامعة الدول العربية و أصدرت الولايات المتحدة حينها  بيانا صحافيا في 11 نوفمبر تهنئ فيه الممثلين عن الشعب السوري على تشكيل الائتلاف. 

إلا أن الفشل كان بانتظاره  بالرغم من تنوعه الذي ضم حركات ومجالس و شخصايات مهمة و معروفة لدى عموم الشعب السوري ، إلا ذلك لم يمكنه من نزع الاعتراف وشرعية التمثيل من قبل هذه الفصائل.. ليعود الذعر مجدداً  إلى الساحة الدولية والإقليمة  خصوصا بعد بروز  داعش وأخواتها على الساحة السورية في منتصف  2013  لتصبح ورقة جديدة تضاف للملف السوري، وشماعة لكل من يريد أن يشرعن وجوده على الارض، ليتم بذلك حصّر  المسألة داخل متاهة  ثنائية الحكم السلطوي  أو الحكم الديني، التي تشبه الدائرة أو المتاهة .  وبذلك تستطيع إيران والنظام من تحوير القتال وصبغه بطلاء طائفي (سني، شيعي) حيث بداء الحصاد .. بعد ثلاث سنوات من ممارسة القتل بكل أشكاله ، لن ندخل بتفاصيل 40 عاماً من التوتر والغبن الثقافي والأجتماعي والأقتصادي الذي مورس بحق كل المكونات السورية ، فإن معاد الحصاد قد حان ،  غير أن أهدافها سياسية بحتة وكل هذا الأستبسال في القتال من قبلها هو  للحافظ على مصالحها المرتبطة ببقاء الأسد في السلطة،غير أنها لم تنجح ، فالجهة المقابلة  تركيا والخليج كانت فعالة أكثر وتسيطر على جغرافية واسعة بحدود 70%من مساحة سوريا في حين أن القوى الدولية كانت بحكم المتفرج تراقب من بعيد إنهاك هذه القوى بمجمعها بصراع يكلف،وهنا و ابتداءً من سبتمبر 2015، عززت روسيا حضورها العسكري في سوريا، بعد أن أستخدمت حق الفيتو في تعطيل مشاريع دولية من شأنها أن توقف الحرب التي يشنها النظام ضد المدنيين،لطيلة خمس سنوات  ، بذريعة محاربةالإرهاب غير إنها لم تقم  بتوضيح مسبق للأهداف التي تنوي ضربها في سوريا.  الحقيقة تختلف على الأرض فقد أرتكز قتالها ضد الشعب وقتلت  منه أضعاف ماقتلته داعش.   

لكن هل  يصنف الإرهاب حسب حجم المجزرة أو عدد ضحاياها  أم أن طريقة القتل  تشكل فارقاً ؟!، داعش قطعت رؤس وأستخدمت أطفالاً لتنفيذ إعدامات ميدانية لاسرى،  و النظام قام بمجازر أفظع، و منها مذبحة  أطفال الحولة عام  2012  ومذحة الكيماوي عام 2013 والموت  في الأقبية الأمنية التابعة للمخابرات الجوية منذ تسلم النظام زمام الحكم في سوريا حتى يومنا هذا ،تأخير العدالة إنكار للعدالة ، بالمقابل  كان من الممكن في البداية وقف حمام  الدم في سوريا و محاسبة وإدانة الممارسات  التي أرتكبت بحق المدنين  من قبل الجماعات  الجهادية  حينها ، غير أن إستمرار الصراع كان يصب في مصلحة قوى أخرى ، فـ معامل السلاح مملؤى بالسلاح الذي يحتاج إلى تصريف ..وبعضها للتجريب ، إما بالنسبة للقوى الإقليمية مسألة النفوذ مسالة وجود أو عدم،واليوم بعد ما يقارب الشهر على إعلان الهدنة لوقف إطلاق النار ،التي  أستثنت  داعش و جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) من الهدنة من دون إيضاح آلية مسبقة لكيفية  التخلص منها وطرق محاربتها  .. 
مع العلم أن الجبهة تشكل العامود الفقري لجيش الفتح الذي يضم معظم الفصائل العسكرية، و يربطها علاقات متينة بفصائل أخرى ، هذا يعني أن الهدنة قد تفشل دون خلق أي حل حقيقي لمحاربتها وإنهاءها  ، فبقاء هذه المسألة معلقة تطيل أمد الصراع ،ولا تقترب من لمس  خيوط الحل.  

يبدو أن الحرب في المنطقة لم تعد تقتصر على اللاعبين الصغار"بالوكالة" بل إمتدت إلى الكبار، وستشمل الدول الإقليمية برمتها.

بالنهاية  أكثر ماكانت بحاجته الثورة هو الذكاء لا الخبرة.
  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة