صلاحُ الدين الأيوبي......صانعُ الكرامة الكوردية - تدوينة ديار حاجي



PRESS 23 | ديار حاجي

مقولةٌ بات يُدركُ معناها وحقيقتها الجميع ... حين يكونُ الواقعُ كئيباً والمُستقبلُ غامضاً ليس للإنسان سوى العودة للماضي لعلهُ يستلخصُ منهُا العبرة أو يأخُذ من تجارب العُظماء 
لنفسه ذخيرة الأمل في هذه الأيام. 
لأسباب عديدة ورُبما أبرزُها لغياب الشخصية القيادية الكارزمية المؤثرة في مُجتمعنا الكوردي السوري بشكلٍ خاص والناتج من بعد بدء الثورة في سوريا وليس تقديساً لسُلطة الفرد الواحد بل إنما للاقتداء بها
حاولتُ التبحُر في سيرة الناصر صلاح الدين الأيوبي ..أبي المُظفر ...هذا القائد والسياسي الكوردي الذي مثل أعجوبة سجلها التاريخُ للأبد ...والذي لا يزالُ يُشكل الحُكم عليه حالة من الجدل والتناقُض الفكري
 لدى الشعب الكوردي ...لكن القدر وبخُطى ثابتة رسم لهذا الإنسان طريقاً من المجد زينهُ هو بنفسه وبتعبه ونضاله وتضحيته ومن تجارب حياته وقصصها ما يدل على أمور شتى. 

ما كان جلياً في هذا الإنسان أنهُ امتلك صفات الإنسان الكوردي الأصيل منذُ البداية كان يعتمدُ على نفسه فقط لم يكُن لديه أي حليف سوى القدر ... وهذا هو الإنسان الكوردي منذُ نشوئه وإلى اليوم 
لازال كذلك ....ورُبما أن دُعاء الشيخ الفاضل "عبد القادر الجيلاني" لهُ حين رأه في بغداد مُذ كان صغيراً كانت إحدى أسباب التوفيق.
وهُنا أقولُ القدرُ أيضاً هو الذي اختارهُ أن يكون كوردياً وقام بإنتقائه ليس لعظمة الإنجاز الذي سيقوم به فحسب بل لأنها وحدها هذه الشخصية الكوردية الصارمة ستستطيعُ الحفاظ على ما كسبته في نصر حطين وتحرير
بيت المقدس بعدها والساحل الشامي ومواجهة عدوٍ لا يقلُ عنهُ قوةً وحُنكةً عنه وهو "الملك ريتشارد قلب الأسد" ... وذلك بعد أن ينفض عنهُ القوم ويتركوهُ وحيداً فيبقى هذا الكوردي ورجالهُ صامداً ووحيداً مُتحصناً
 في أسوار القُدس لا يبرح عنها ....تارةً يستعملُ الشدة والقوة وتارةً اُخرى يستعملُ السياسة واللين ...حتى يصل ريتشارد إلى القناعة الخالصة بأنهُ لاسبيل لهزيمة صلاح الدين ليضطر الدخول في مفاوضات أُثبتت من خلالها مدى 
الحُنكة الأيوبية فيها ومقدار ما وصلت إليه من براعة السياسة والدبلوماسية وليعود ريتشارد بعدها لوطنه ليعقبه حملات جديدة من جيوش الرب بعد سنوات ....

صلاح الدين الأيوبي وبرؤية معظم مختصي التاريخ كان الوريث الشرعي للمشروع الإسلامي لمواجهة الصليبيين بالرغم من أن الأوروبيين يتهمونه إلى اليوم بالقضاء الكامل على فرقة الداوية "فرسان الهيكل" أشرس المقاتلين 
الأوروربيين بعد حطين في حين يتغاضون هم أنفسهم عن المجازر التي ارتكبوها باسم المسيح بحق المدنيين حين دخلوا بيت المقدس ......هذا المشروع الذي رسم خطوطه العريضة نور الدين زنكي ومن قبله عماد الدين زنكي تلميذ
المعلم الأول القائد مودود الاتبكي حاكم الموصل.
صلاح الدين انهى وجود الدولة الفاطمية في مصر وأغلق رمزها الأكبر ومركز دعوتها الجامع الأزهر ليس حقداً أو انتقاماً ولكن ليُعطي درساً للعالم بأن التغيير الديموغرافي النابع من سياسات الإغراء التي اتبعها الفاطميون مع المصريين
لا يُنتج عنهُ شيئ ان لم تمتلك الحاضنة الشعبية لهذا الفكر الجديد وهي كالقش تزولُ مع الهواء.  
امضى صلاح الدين 33 شهراً لقتال الأمراء المتخاذلين والمتحالفين ضده في بلاد الشام والقضاء على اتباع طائفة الحشاشين فرقة الاغتيالات التي انهكت الجسد الاسلامي أتباع الطريقة الاسماعيلية النزارية والذي نجى هو
نفسهُ بأعجوبة من محاولة اغتياله على أسوار حلب في حين أنه كان يحتاجُ فقط إلى 13 شهراً في قتال الصليبيين لدحرهم ولهذا الأمر العبرة الأكبر في زماننا والدرس الأعظم بأن عظمة أي استحقاق خارجي يتطلب جهوداً ونضالاً 
مُضاعفة في ترتيب وتهيئة البيت الداخلي قبل المضي نحو أي انجاز أو هدف. 
في بدايات نشوء الفكر لدي لم أعرف عن صلاح الدين الأيوبي إلا كلمات قليلة كان يُرددها بعض المثقفون الكورد وباتت عُرفاً تقليدياً حين يتم ذكر هذا الانسان يتم قولها 
وبأنه لم يُنشأ دولة كوردية يجتمع في كيانها الشعب الكوردي ...وربما هم محقون في ذلك بشكل كبير وفق ما نعيشه في هذه الأيام بالنسبة للشعب الكوردي ....
وربما لسنوات عديدة ذابت هذه الفكرة في عقلي وأصبحت اتخيلُ هذا الإنسان بالعدو لقومه رُبما ...لكن ما لا كُنت أعرفهُ بأن هؤلاء الأشخاص كانوا يعيشون ربما 
في حالة تناقض بين الفكر والتوجه ما أعلمه اليوم أنني لا أستطيع أن أُخاطب صلاح الدين بعد أكثر من الف عام بهذه الرؤية الحديثة وبالعقلية المُعاصرة الناتجة بعد عصر التكنولوجيا والثورة الصناعية والمعرفية.
  
صلاح الدين الذي قاد الحروب بالسياسة ربما لم يكُن مُضطراً إلى أن يأتي من مصر إلى الشام من أجل توحيد الأمة كُلها من الموصل إلى حلب إلى اليمن وللحجاز تحضيراً لليوم العظيم كان يستطيعُ التواصل مع الصليبيين والاتفاق معهم 
على صُلحٍ طويل وإعلان دولته ذات الطابع الكوردي. 
لكن قياسا بتلك المرحلة فان الدول والإمارات الجديدة كان اقصى عمر لها مئة عام كدولة المماليك من بعده والفاطمية من قبله ولم تكُن ذات الطابع القومي ولم تكن كالدول المعاصرة من حيث التأسيس والبنيان 
ورُبما كان سيُذكر في شكلٍ هامشي في كتُب التاريخ لكن ما وصل إليه صلاح الدين من قرار برفع الظلم عن المؤمنين كان له التأثير الأكبر.

أبياتٌ مليئةٌ بالشجن والوقار قرأتُها للمؤرخ والشاعر عماد الدين الأصفهاني الذي عاصر فترة حُكم صلاح الدين  

شملَ الهُدى والمُلك عم شتاتهُ     والدهرُ ساء وأقلعت حسنتاتهُ
أين الذي كانت لهُ طاعاتُنا         مبذولةً ولربه طاعاتهُ
دُفن السماحُ فليس تُنشر بعدما     أودى إلى يوم النشور رُفاتهُ
الدينُ بعد أبي المُظفر يوسفَ      أقوت قُراهُ وأقفرت ساحاتُهُ
ماكُنتُ أعلمُ أن طوداً شامخاً       يهوي ولا تهوي بنا مهواتُهُ
فعلى صلاح الدين يوسفَ دائماً   رضوانُ ربِ العرش بل صلواتهُ

حين مات في دمشق وجدوا في خزانة بيته مبلغاً من المال لم يكُن كافياً لشراء الكفن الذي سيُلف به جثمانه ليعلم الناس بعدها أن هذا الرجل أنفق كُل ماله وأمضى كل عُمره في الحرب ضد الصليبيين دفاعاً عن كرامة المشرق بأسره. 
ما توصلت إليه أن صلاح الدين كان العلامة الفارقة في ذلك العصر وفي ذلك الصراع بين الحضارتين الغربية والشرقية في عصرٍ لم يكُن حتى هنالك وجوداً للقومية في أوروبا 
فما فعله هو ما يفعلهُ الكوردي الاصيل اليوم في أي موقف يتعرض إليه بفعل ما يقودهُ إليه ضميرهُ ووجدانه وهذا ما اكسبهُ العظمة على مدى العصور والتاريخ وأكسب الكورد الشرف والكرامة إلى يوم الدين.
  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة