روژين سيامند جاجان : ليلة رأس السنة !



PRESS 23 | روژين سيامند جاجان

 اسمحوا لي ان أكون حزينةً هذهِ الليلة  ( ليلة رأس السنة )،رغم كل الصخب  و كل مظاهر الفرح و الامنيات اسمحوا لي أيضا ان أؤكد أن  إقتران و تزامن وصول  رأس السنة الهجرية و الميلادية لن يكون مدعاة لتخفيف حزن أطفال بلدي رغم أن ذلك قد  تكون مناسبةٍ سعيدة للبعض من اجل التأكيد على  روح و عمق التعايش  و إطلاق التصريحات و الامنيات بشأن ذلك..

شخصياً  انا لا أجد في ذلك هذا المعنى بالضبط كما لا أجد في أن يأتي  رأس السنة الهجرية في منتصف الصيف مثلاً معنى يضر بالتعايش فالتعايش في جوهره يرتبط بما هو  أعمق من  المناسبات و الاعياد بل إن اعتبار هذا التزامن  فرصةً للحديث عن التعايش  يعبر عن ازمة حقيقية يعيشها هذا التعايش و هي أزمة لن يحلها مجرد تزامن المناسبتين و الخطاب العاطفي حول ذلك..

على العكس من كل ذلك أجد تزامن المناسبتين حزيناً بل و حزيناً جداً ذلك إن الوهج الإعلامي الذي يحيط برأس السنة الميلادية سيطغي تماماً على رأس السنة الهجرية و حتى على تذكرها و إستذكارها مهما حاولنا إنكار ذلك  فنحن لا نتذكر رأس النسة الهجرية إلا نادراً و إذا تذكرناه فان ذلك على الاغلب يكون مرتبطاً بأسباب أخرى غير ترتيب جدول حياتنا غير تنظيمها غير حسابات الحقل  في حصاد سنيننا..

بعبارةٍ اخرى مهما تجنبنا “الاحتفال” برأس السنة الميلادية  مهما جلسنا تلكَ الليلة دون ان نحتفل  حتى لو تعمدنا النوم باكرين متحججين بالتعب و الارهاق محاولين أن نشيح بوجوهنا عن أفراح و احتفالات الآخرين فاننا على الاغلب نؤرخ لحياتنا  لخططنا  لحصاد السنة الماضية و حصاد السنة القادمة  لأجنداتنا الشخصية بالميلادي.

و اكثر  من هذا  ليس إن اغلب الناس لا يذكرون رأس السنة الهجرية إلا لأنه  أتخذ “عطلةً رسمية”  في اغلب البلدان الاسلامية و لكن الأسوء من هذا  هو ان اغلب الناس لا يعرفون في أي سنةً هجرية نحن بالضبط  دون ان يشكل ذلك لهم أي أزمة على الإطلاق  و دون ان يتصوروا إنهم اصيبوا بخرف مبكر أو بفقدان ذاكرة كما  سيتبادر الى إذهانهم لو انهم نسوا و لو لثوانٍ عابرة  في أي سنة ميلادية نحن بالضبط..

لا أتحدث هنا عن حرمة الاحتفال بأعياد غير المسلمين و لا عن بدعية او عدم بدعية الاحتفال برأس السنة الهجرية أي لا اتحدث عن الامر بالبعد الفقهي  بل ببعدٍ آخر هو البعد الفكري الحضاري للامر فرأس السنة الميلادية لم يكتسح العالم عبر نظرية المؤامرة أو اخطبوطٍ إعلاميٍ حاذق ( رغم إن الاعلام  زاد من تكريس الامر حتماً ) لكن قبل ذلك كله كان هناك انتصار ساحق للحضارة الكُردية  و هو الانتصار الذي أدى الى تعميم طقوسها و احتفالاتها بآلية معقدة تجمع بين تقليد المغلوب للغالب  و بين إعتبار تلك الاحتفالات رمزاً للتحضر  لهذا الانتصار الساحق لتلك الحضارة  جعل منها تغزو الرؤوس أولاً و هذا الذي جعلَ من رأس السنة الميلادية كاسحاً و مهيمناً هكذا..

قد نختلف في تقييم منجزات الأحزاب الكُردية في رفض أو قبول  اهدافها و منطلقاتها و أساليبها و أدواتها للامة الكُردستانية لكن من الصعب جداً أن نختلف على كون تلك الحضارة قد “أنجزت “..في كونها قد نجحت الى حدٍ بعيد في تحقيق ما ارادته بغض النظر عن تقييمنا لذلكَ و هذا الانجاز هو الذي جعلَ رأس السنة الميلادية كاسحاً ايضاً و شجرة عيد الميلاد تغطي كل أجزاء الحزن  حتى الأحزان التي لا لا تزال ستأتي و هو الانجاز ذاته الذي جعل “أجنداتنا ” الشخصية تدور حول السنة الميلادية  سواء  أقررنا بذلك أم أنكرناه..

و مقابل ذلك الفعل و الانجاز الذي جعل من احتفالات رأس السنة الميلادية احتفالا كوكبياً هناك ذلك اللافعل ، الاإنجاز الذي أدمنّاه منذ قرون هناك تلك السلبية التي أودت بنا إلى الدرجة الادنى في مراتب الفاعلية و التي جعلت من رأس السنة الهجرية يمر مروراً عابراً…كما لو كان “نكرة”..أو “مجهولا”..

اسمحوا لي ان أكون حزينةً هذهِ الليلة بينما يبتهج الجميع و يحتفلون بطريقةٍ أو بأخرى لا أتمنى جهنم لأحد حقاً و لا اريد أن ارسل أحداً الى هناك  بهذه المناسبة ، و اتمنى للجميع عامةً أفضل و عالماً أفضل حقاً.. لكن اسمحوا لي أن اكون حزينةً وحدي و ان أحتضن رأسي ليلة راس السنة الميلادية بدلاً من أن اخبئه في الرمال كما كل سنة اسمحوا لي ان أحلم  في ليلة رأس السنة الميلادية  برأس سنةٍ إستقلالية لبلدي يكون احتفالاً كوكبياً يضم الأطراف الكُردية و اجزاء كُردستان الأربعة وغيرهم ليس لأن غير الأكراد قد دخلوا كُردستان بالضرورة  و لكن لأن حضارة الكُرد قد بزغت و انجزت ما تجاوز  منجزات أي حضارةً أخرى..

أسمحوا  لي الليلة ان احلم برأس سنةٍ كُردستانية كمن يحتفلون به في كل مكان  بنخلةً مزينة من ثوب اطفال بلدي  و بنطاقين يحتويان زاد المعاني و القيم و بدموع الأمهات دعوني أطفأ أنوار حجرتي وأنيرها بشموع قبور شهدائنا  بهجرةِ الأباء عن أبنائهم يمكن أن نتمثلها في كل ما نقوم بهِ في إصرار على الاتجاه دوماً الى ما هو صواب.
 اسمحوا لي أن احلم بغارةٍ صغيرة في الطريق الى هناك  و بحمامةٍ و عنكبوت افتراضيين و بثاني اثنين إذ هما في الغار..

اسمحوا لي الليلة ان أحتضن رأسي و انا أسمع الصوت قادماً من الغار ، يتردد عبر القرون ..” لا تحزني إن النصر حليفنا  “..فأجده يخاطبني أنا المناضل الحُر الحزين بل أجدها الجملة الاكثر مناسبة بين كل ما يقال في مناسبات كهذه..”لا تحزني  ان النصر حليفنا“…كما لو اننا نحتاج الى “هجرةً  من جديد من كل ما نحن فيه و عليه  من أجل ان نخرج من هذا الظلم القومي الذي سقطنا فيه

 اسمحوا لي ليلة رأس السنة  ان أعكر صفو احتفالكم أو صخبكم أو حتى نومكم المبكر... المتعمد ..لأذكركم بذلك الغار الضيق و برأس سنةٍ “أخرى” ..نكاد ان ننساها و  لأننا نكاد ان ننساها فاننا نكاد نصبح نسياً منسياً... 
إنها رأسُ سنة إستقلاليةٍ موحدة...
روژين سيامند جاجان : كاتبة سياسية

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة