لماذا تراجع تعاطف الشارع الألماني مع المأساة السورية؟


PRESS 23 | أخبار سوريا

نُظمت في برلين وفي عدد من المدن الألمانية مظاهرات ووقفات احتجاجية تضامناً مع المحاصرين في حلب. بيد أن المشاركة لم تكن بحجم الكارثة الإنسانية، ما يدفع للسؤال لماذا بدأ التعاطف مع مأساة السوريين يختفي في ألمانيا وأوروبا؟

تشارف آخر أصوات معارك حلب على السكوت مع وقع تشغيل محركات الحافلات الخضراء، التي تقل سكاناً ومقاتلين من أحياء حلب الشرقية إلى محافظة إدلب، التي باتت اليوم مركز تجميع مسلحي المعارضة من كل مكان في سوريا.
لم يلتفت أحد، ولم تُغيّر طائرات قوات التحالف من مسارها لتدخل على خط المعارك. قدرٌ مرسومٌ لمستقبل عودة المدينة لسيطرة النظام السوري وقع في اتفاقية مررت من تحت الطاولة. كما لم تستطع الحناجر التي هتفت أمام سفارات وقنصليات روسيا في مختلف دول العالم من أن توقف نزيف الدم.
لم تكن برلين عاصمة ألمانيا، التي تحتضن قرابة مليون لاجئ وطالبٍ سوري بعيدة عن الاحتجاجات. كما لم يتوان المواطنون الألمان عن مشاركة الجالية السورية وقفاتهم الاحتجاجية أمام السفارة الروسية، وفي عدة مناطق أخرى على مدى الأيام المنصرمة، لكن المشاركة لم تكن كما كانت منذ سنوات.



ورغم ذلك يقول الناشط من حملة الرقة تذبح بصمت عبد العزيز الحمزة لـ DW عربية: "كانت هناك مشاركة ألمانية وسورية كبيرة. لا يمكننا القول إن القضايا السورية فقدت التعاطف لكن كان هناك مشكلة في عدم التنسيق. الآن نحن نحضر لوقفة أكبر يوم السبت القادم ومن المتوقع أن تضم حوالي 5000 شخص".



حتى السوريون في ألمانيا لا يشاركون بكثافة
وما زاد الطين بلة هو أنه حتى السوريون الموجودون في ألمانيا لا يشاركون بحماسة في مثل هذه التجمعات. إذ يرى بعضهم  أنه لا جدوى لمثل هذه النشطات؛ رغم أن الحراك الشعبي في سوريا بدأ بمظاهرات. لكن هناك أسباب أخرى تدفعهم لعدم المشاركة.

ويشرح  الإعلامي سمير متيني لـ DW عربية هذه الأسباب بالقول: "ضعف مشاركة السوريين في ألمانيا تتلخص بناحيتين. أولاً توزعهم الذي يختلف من مكان إلى آخر، وعدم تركز وجودهم كلهم في مكان واحد". والعامل الآخر هو أن "معظم السوريين هنا لديهم عائلات تعيش في سوريا ويتخوفون من سيطرة النظام واستعادته لزمام القوة ما يعني محاسبة وملاحقة ذويهم في حال شاركوا بنشاطات كهذه".

مسألة دول لا حناجر تهتف
الألمان بدورهم لم يتوانوا عن المشاركة لنصرة حلب حيث أطلقوا العديد من التغريدات على تويتر والحملات للمشاركة في الحراك أمام السفارة الروسية واستخدموا هاشتاغ #Aleppo #StopBombingSyria أي أوقفوا قصف حلب. ولعل أبرز أشكال التضامن تأثيراً كان النعي الذي نشرتهسيدة ألمانية  لأطفال حلب في إحدى صحف بلادها. كما شارك مثقفون ألمان في مظاهرة أمام السفارة الروسية في برلين.



كذلك امتلأ العالم الافتراضي بالمشاركات من قبل الألمان تضامناً مع ما يحدث في حلب فغرد مواطنون ألمان يدعون للتظاهر أمام السفارة الروسية مرفقين التغريدة بتفاصيل عن المظاهرة.



لكن المظاهرة التي دعا إليها السوريون أمام السفارة الروسية لم تشهد مشاركة كافية كما يراها  البعض. ويشرح علي عيسو مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان في مدينة فوبرتال بألمانيا لـ DW عربية أسباب ذلك بالقول: "في السنوات الأولى كان التعاطف أكبر والمظاهرات من قبل الأوروبيين أكثر، لكن اليوم الجميع أصبح يفهم أن القصة أصبحت مدوّلة والأمور بيد دول بعينها ولم تعد بيد الشعوب. والقصة لا تخص السوريين أنفسهم بل هي بيد روسيا اليوم بالدرجة الأولى، والناس تشعر أنه لا جدوى من رفع الأصوات، لإنهاء آلة القتل في سوريا".

لكن المحلل السياسي الألماني جاك شوستر ينتقد في تعليق له لصحيفة "دي فيلت" الألمانية المحافظة عدم خروج الألمان بكثافة في مظاهرات تتضامن مع السوريين. ويتساءل الكاتب بسخرية قائلا: "ماذا ننتظر من مجتمع، يتظاهر ساخطاً على اتفاقية التجارة الحرة والدجاج المعدل جينياً، وينزل بمئات الآلاف للشوارع احتاجاً على اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، ولا يحرك ساكناً تجاه سوريا وإيران وروسيا؟".

ويضيف: "على خلاف الأمريكيين والإسرائيليين لا يهتم الألمان بسوريا أو بالأسد إلا قليلاً، فجرائمه وضحاياه لا تتناسب مع قوى الشر في رؤيتهم إلى هذا العالم".  

أولى هذه الأسباب برأي الناشظ السوري أشرف غالية تعود "لعدم وجود منصات واضحة ورسمية باللغة الألمانية تشرح المواضيع بشكل واضح، وغياب رسالة واضحة من قبل السوريين الذين يدعون لهكذا نشاطات، فمن الطبيعي عدم وجود مناصرة واضحة".

"أوروبا تتقاطع مع النظام"

"لا يخف على أحد أن الأوروبيين بدؤوا منذ فترة بنسيان مسألة جرائم النظام السوري في إعلامهم، والتركيز على مسألة الإرهاب والحركات الأصولية"، يقول الناشط عبد العزيز الحمزة. وبرأيه من هنا تأتي مسألة انخفاض التعاطف أيضاً "فالناس هنا متأثرون بدعاية النظام بأنه يحارب الإرهاب في حلب".

من جانبه الباحث علي عيسو يقول "ما قامت به الحركات الأصولية من ممارسات في السنوات الأخيرة في سوريا وفي أووربا أدت لتراجع الدعم الأوروبي للقضية السورية فاليوم العديد من الأوروبيين بدؤوا يعيدوا حساباتهم بعد أن طرقت أفعال هذه الحركات أبوابهم، فالمجتمع الأوروبي بدأ يرى الثورة من منظور التنظيمات الأصولية".



وهذا ما يؤكده الإعلامي سمير متيني إذ يرى أن "وجهات النظر بين الأوروبيين والنظام بدأت تتقاطع" وبعض وسائل الإعلام الأوروبية باتت تقدم النظام على أنه يحارب الإرهاب.

أزمة اللاجئين قللت التعاطف

ما حدث في حلب تزامن مع انشغال الإعلام الألماني بحادثتي اغتصاب اتهم لاجئان بارتكابهما. كما نسبت عدد من الجرائم مؤخراً للاجئين يقيمون هنا. كل هذا دفع الناس للابتعاد عن الاهتمام باللاجئين وكل ما يتعلق بقضاياهم التي أوصلتهم إلى هنا، ومنها مسألة ما يحدث في بلدانهم. 

وتقول ميديا دهير من مؤسسة التآخي لحقوق الإنسان لـ DW عربية إن "مسألة اللاجئين لعبت دوراً كبيراً في تراجع اهتمام الألمان بقضايانا، عطفا على مسألة الانقسام الداخلي الذي يعيشه ممثلو الحراك المدني السوري في أوروبا وانتقائيتهم في التعاطف. كل هذه أمور تلقي بظلالها على المسألة. فاليوم من الصعب أن تجد نشطاء غير أكراد يتضامنون لما يحدث في مناطق الأكراد أو مثلاً من منطقة معينة يتضامنون لما يحدث خارج مناطقهم، وهذا يؤثر على رأي الأوروبيين فينا".

برس 23 :: المصدر - DW

  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة