دليار بوزان يكتب : تكريد سوريا وتعريب كُردستان


برس 23- دليار بوزان : 
كان وجود الكُرد في سوريا وعلى أرضهم التاريخية مشروع ثورة قابلة للاشتعال في أية لحظة ضد أساليب التنكيل والظلم الذي كانوا يتعرضون له بشتى الوسائل والأساليب ،على يد السلطات المتعاقبة للحكم في سوريا ،ومع بداية الثورة السورية وتحويل الحراك السلمي إلى العسكرة ،كان للكُرد وجودهم القوي على الساحة من خلال مجموعة من التشكيلات العسكرية منها قوات حماية الشعب التي استلمت إدارة المناطق الكُردية بعد أن طردت قوات النظام منها ،وفصائل أخرى تتبع للجيش الحر تقاتل النظام في ريف حلب .
استطاعت القوات الكُردية أن تفرض نفسها على الساحة السورية كورقة صعبة لا يستهان بها ومع ظهور التنظيمات الإرهابية كتنظيم داعش وجبهة النصرة ،وجدت القيادة الأمريكية والأوروبية بأن الكُرد هم القوة الوحيدة التي تستطيع أن تقف أمام المد الداعشي الذي يسيطر على مساحات واسعة من سوريا وبات يهدد مصالحهم وأمنهم بشكلِ أو بأخر ،وكانت انتصار القوات الكُردية في "معركة كوباني"على تنظيم داعش وتكبيده خسائر فادحة ،نقطة تحول في تاريخ التنظيم من حالة الهجوم والسيطرة إلى حالة الدفاع والتقلص ،وباتت قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل قوات حماية الشعب العمود الفقري لها بالإضافة إلى قوات عربية أشورية ومسيحية ،القوات الوحيدة التي تحظى بالشرعية الدولية .
أصبحت الأمة العربية أمام خطر حقيقي يحدّق من بعيد ،يهدد وحدة أراضيها ويزعزع أمنها و استقرارها ،هذا الخطر هي مشاريع الكُرد الانفصالية الساعية إلى إقامة دولة كردستان ،ومن المفارقات العجيبة لدى الغالبية المتهكمة باسم الشعب في سوريا سواء الائتلاف السوري أو فصائل المعارضة أو قيادات عربية ،بأنها ترى في انتصارات القوات الكُردية احتلالاً وتكريداً لعروبة سوريا،ولم تتوانى النخب العربية في تسمية الكرد بإسرائيل ثانية ،وبات مصطلح تكريد سوريا كما تهويد فلسطين أمراًيستدعي تحالفاً عربياً وقمة طارئة لجامعة دولها ،المؤسف أيضاً أن العرب يسعون إلى تزوير التاريخ ويرفضون القضية الكُردية كقضية أرض وشعب .
كل هذه الاتهامات التي تستهدف الكُرد ،تأتي من منطلق أن الكُرد هم مجموعات مهاجرة أتوا من تركيا ومناطق أخرى بعد مذابح الأرمن،إذ إن وجودهم في المنطقة حديث وهذا ما يخالف الحقيقة والواقع،إذ أن الوجود الكُردي في المنطقة يمتد إلى ما قبل الميلاد فالكرد كانوا جزءاً من الميتانين والسوباريون الذين كانوا يعرفون أيضاً بالهورو،ويقول المؤرخ الكردي محمد أمين زكي في كتابه 'خلاصة تاريخ الكُرد وكُردستان' بأن الميديين إن لم يكونوا النواة الأساسية للشعب الكُردي فإنهم انضموا إلى الأكراد وشكلوا الأمة الكُردية ،كل هذه المعطيات تؤكد بل تجزم بأن الكُرد يعيشون على أرضهم التاريخية،حيث أن هذه الأمم والممالك المذكورة كانت موجودة في المنطقة الكردية قبل ألاف السنين من الميلاد.
حقيقةً لا أعلم لماذا غالبية العرب يراوغون على القضية الكُردية فبدلاً من أن يقوموا بدحر المجموعات التكفيرية التي تحتل سوريا عرض الحائط ،أو يقوموا باستعادة أراضيهم المحتلة والذي لهم كامل الحق في استعادتها كالجولان والاسكندرون لا الحصر ،بل يفعلون العكس ،كتشويه المعطيات والأرقام التي لا تدخل في خزينة الإحصاء والتأريخ ،والإتكال على مشروعية تزوير الحقائق أمراً لن يكتب له النجاح في ظل الشرعية التي حظيت بها القضية الكُردية .
عمليات التعريب التي جرفت المناطق الكُردية على طول الخارطة السورية كانت مجرد لحظات عابرة لا تلقى بالأهمية والشجب ،فمنذ عهد الوحدة بين سوريا ومصر 1958 كان الكُرد يتعرضون لأبشع أشكال الرفض والتنكيل بدءاً من عملية تجريد حوالي أكثر من 120ألف مواطن كُردي من الجنسية السورية وحرمانهم من أبسط الحقوق "حق الحياة والتعلم" ،مروراًبمشروع الحزام العربي الذي قررته الحكومة السورية في عام 1965على يد محمد طلب هلال ،بهدف تفريغ منطقة الجزيرة من السكان الكُرد الأصليين ومصادرة أراضيهم وتوطين عرب الغمر بدلاً منهم،في هذه الفترة كانت عمليات طمس الهوية الكُردية وصهر الكرد في بوتقة القومية العربية تجري على قدمٍ وساق،وتجلت في قمع الحركة السياسية الكُردية واعتقال نشطائها وتغيير الأسماء الكُردية التاريخية لمئات القرى والبلدات والمواقع واستبدالها بأسماء عربية،وحرمان الكُرد من التحدث بلغتهم الخاصة ومنع الموسيقى والأغاني الكُردية،انتهاءاً بأحداث القامشلي الدموية عام 2004 التي قتلت فيها أجهزة الأمن السوري عشرات الشباب الكُرد واعتقال المئات منهم .
تصوير لطف ونعومة المعارضة على النظام أو العكس بخصوص القضية الكُردية حماقة كبيرة، إذ يختزل تاريخ النضالي الطويل للكُرد في منصب وغباء سياسي ،فالنظام والمعارضة أعداء في كل شيء إلا إنهم متفقون وموقفهم واحد بخصوص القضية الكُردية ألا وهو الرفض القاطع لمشاريع الكُرد المختلفة ولو اختلفت اللهجات واللكنات ،وهذا حال الدول المقتسمة لأرض كردستان ،تركيا وسوريا وإيران الذين اجتمعوا قبل أشهر برعاية جزائرية .
اعتماد الكُرد أسس غير متينة في علاقاتهم السياسة مع الأطراف الدولية والإقليمية ،وعدم إدراج القضية الكُردية في المحاكم والمنظمات المعنية بحق تقرير المصير علامات تدعو للقلق والريبة حيال مصير القضية الكُردية ، إذ أنَّ القانون الدولي يحافظ على حقوق الشعوب والجماعات والمنظمات ،وذلك من خلال ميثاق الأمم المتحدة ،والقرارات الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في 10يناير 1949،والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أُطراً تشمل حق الشعوب في تقرير مصيرها،بما يكفل وجودها وحقوقها المختلفة ، فهو حق دولي لجميع الشعوب الكبيرة والصغيرة ،لأن الشعب الذي عاش على أرضه آلاف السنين هو الذي يمتلك حق السيادة على أرضه وتقرير مصيره .
دليار بوزان : صحافي كُردي من مدينة كوباني

مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر عن رأي

شبكة برس 23 Press  الإعلامية




  • النشرة البريدية

    تابعنا على تويتر

    تابعنا على فيسبوك

    تابعونا عبر GOOGLE +

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة